فأصل الخلاف الفقهي لا يتأتى لو أخذ الناس كلهم بدلالة ظاهر اللفظ فقط، وهذا غير ممكن لأنه لا يكون إلا في القطعيات، ويتضح هذا أكثر إذا رجعنا إلى كتب أسباب الخلاف الفقهي، وهو نابع من طبيعة اللغة العربية واحتمال ألفاظها للمعاني المتعددة، فأحدهم يأخذ بعموم اللفظ، وآخر يقول بتخصيصه، والتخصيص كما سنعلم نوع من أنواع التأويل، بل هو أكثرها شيوعًا.وبعضهم يقول بإطلاق اللفظ ويذهب المخالف إلى القول بالتقييد، وذلك نوع تأويل، وثالث يحمل اللفظ على الحقيقة، وصاحبه يحمله على المجاز، ورابع يفهم الأمر - سواء من الكتاب او السنة - على أنه للندب، وآخر يفهمه على أنه للوجوب. ومنهم من يفهم النهي - سواء من الكتاب او السنة - للحرمة، وآخر يظنه للكراهة.
ولو نظرت إلى أسباب اختلاف الصحابة في الفروع ومن بعدهم التابعين ثم مجتهدي المذاهب لرأيت أن عامة اختلافهم يؤول إلى أحد أنواع التأويل التي ذكرت، وخصوصًا النوع الأول وهو الخلاف في العموم والخصوص.
مشروعية التأويل:
فمما جاء في ذلك عن الصحابة بالمعنى الأول للتأويل، وهو التفسير والبيان للفظ سواء وافق ظاهره أو خالفه ما يلي:
ما أخرجه الإمام الترمذي عن أسلم أبي عمران التجيبي"قال كنا بمدينة الروم فأخرجوا إلينا صفًا عظيمًا من الروم،فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر وعلى الجماعة فضالة بن عبيد، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم، فصاح الناس وقالوا: سبحان الله يلقي بيده إلى التهلكة، فقام أبو أيوب فقال: يا أيها الناس إنكم تتأولون هذه الآية هذا التأويل، وإنما أنزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه، قال بعضنا لبعض سرًا دون رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا، فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله تعالى على نبيه - عليه الصلاة"