فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 528

والسلام - يرد علينا ما قلنا { وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ } (البقرة-195) ، فكانت

التهلكة الإقامة على الأموال و إصلاحها وتركنا الغزو، فما زال أبو أيوب شاخصًا في سبيل الله حتى دفن في أرض الروم" (1) ."

فحقيقة الفهم الخاطئ هنا أنهم حملوا النهى عن الإلقاء باليد إلى التهلكة على أنه نهي مطلق يقتضي حرمة كل ما يؤدي إلى هلاك النفس وإفنائها ولو كان في سبيل الله، وذلك فهم خاطئ مردود، والصحيح أن الإلقاء باليد إلى التهلكة، وتقحم ما من شأنه تعريض النفس للخطر محرم إلا في الجهاد في سبيل الله، واستثناء الجهاد هنا ونفي الإطلاق، مفهوم من الوقوف على سبب النزول الذي بينه لهم الصحابي الجليل أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه، فمعنى قوله لهم"تتأولون"أي تفسرونها تفسيرًا خاطئًا، تمامًا كما أخطأوا في تفسير معنى الظلم في آية الأنعام وقد مرت.

وهم معذورون في ذلك الفهم لأن ظاهر الآية وإطلاقها يفيد ما ذهبوا إليه، ولكن هذا الظاهر الذي يفيد إطلاق النهي المفيد للتحريم متروك بدليل جواز المخاطرة بالنفس في سبيل الله بل قد يكون واجبًا، وبدليل سبب النزول الذي بينه أبو أيوب.

وبعبارة الأصوليين فإن أبا أيوب صرف اللفظ عن معناه الظاهر الراجح المفيد لإطلاق تحريم المخاطرة إلى معنى كان مرجوحًا، وهو جواز المخاطرة في سبيل الله لدليل هو وقوفه على سبب النزول، وحقيقة التأويل هنا هي تقييد المطلق.

فهم أطلقوا ما حقه التقييد، وهو غير جائز بالاتفاق لأن الأدلة قد قامت على بطلانه ممن عايشوا التنزيل ووقفوا على أسباب النزول.

(1) الترمذي أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة: الجامع الصحيح وهو سنن الترمذي 5/212.وقال حسن غريب صحيح0

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت