فمن لا يرى في القرآن نصا يحرم الربا إلا آية آل عمران، فهو يغمض عينيه عمدا عن هذه الآيات، ويكون كمن آمن ببعض الكتاب، وكفر ببعض.
وهذه الآيات لم تقيد الربا المحرم بكونه قليلا أو كثيرا بل حرمت جنس الربا وكل أنواعه ما عهدته العرب منه وما لم يعهدوه، قديمه والمستحدث منه. ولكن آية آل عمران ذكرت نوعا معينا سائدا فهي جاءت لتصف واقعا لا لترسم قيدا للربا المحرم.
فلا يجوز حمل آية آل عمران على مفهوم المخالفة أي أنه إذا لم يكن أضعافا مضاعفة فهو حلال وذلك لأن الآية خرجت مخرج الغالب، إذ كان الغالب على حالهم أن يأكلوا الربا أضعافا مضاعفة، وشرط اعتبار المفهوم عند القائلين به أن لا يكون المذكور خرج مخرج الغالب (1) .
ونظير هذه الآية قوله تعالى { وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحصُّنًا } ( النور/33)
فمفهوم الآية لو جاز حملها عليه: أنه لا مانع من إكراهن إن لم يردن التحصن، ولكن هذا المفهوم باطل وغير مراد أصلا من الآية، لأن الآية هي الأخرى خرجت مخرج الغالب إذ كان الغالب على حالهم الإكراه على الزنا ابتغاء الأجر والولد.
قال الرازي:"والكلام الوارد على سبيل الغالب لا يكون له مفهوم الخطاب" (2) .
ووجه آخر لإبطال هذا المفهوم لو صح، هو ورود الدليل الصريح بمنع الربا قليله وكثيره، والمنطوق يقدم على المفهوم.
نجد انتفاء هذا المفهوم في قوله تعالى { وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا } (النساء-101) فمفهومها أنه لا يصح القصر عند الأمن،
(1) روح المعاني 17/157-158.
(2) مفاتح الغيب 23/221.