معلوم جدًا أن القضاء الذي يقصده القوم هو أي قضاء إلا القضاء الشرعي، لأنهم من القضاء الشرعي فروا، فلو أن الأمر موكول إلى القضاء بما أنزل الله، لانتهت المسألة في مهدها، إذ القاضي المسلم سيرجع الأمور إلى نصابها، ونصابها حق الطلاق للزوج كما أراد الله، إلى آخر ما هنالك؛ بل من نصابها إدانة القوم واستتابتهم إذا ثبتت ردتهم، وإلا فالموت لهم.
أما قاضي يقضي بما أنزلت هيئة الأمم المتحدة في إعلانها العالمي لعقوق الرحمن"حقوق الإنسان"؛ فهو قاض كافر عندنا لقوله سبحانه: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [المائدة: 44] ، وبالتالي لا غرابة إذا حكم القاضي لصالح الزنديقات.
إن الله تعالى نسب في كل مرة ذكر فيها الطلاق إلى الرجل دون المرأة، مثل قوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة: 229] ، قال: {والمطلقات} بفتح اللام، فمن طلقها؟ وقوله سبحانه: {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون} [البقرة: 230] ، فمن طلقها؟ القاضي؟ فإن كان القاضي، فما معنى قوله سبحانه بعدها مباشرة: {فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره} ، فلا تحل للقاضي حتى تنكح زوجًا غير القاضي؟ أم ماذا؟ وكذا في قوله: {فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله} ؛ من الفاعل؟ وانظر في قوله سبحانه: {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارًا لتعتدوا} [البقرة: 231] ، من المخاطب الذي له حق الطلاق؟ وقوله: {وإذا طلقتم النساء} ؛ هل للمتغربين أن يدلونا على الفاعل والمفعول؟ وكذلك في الآية: {وإذا طلقتم النساء ... } [البقرة: 232] ، نفس الشيء، وكذا في قوله عز ثناؤه: {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ... } [البقرة: 236] ، {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن} [البقرة: 237] ، {وللمطلقات متاع بالمعروف} [البقرة: 241] ، وهذه الآية: {ياأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن} [الأحزاب: 49] ؟ إلى آخر ما هناك مما لا يفهم منه ما ذهب إليه القوم أبدًا، والقاضي لا يلجأ إليه إلا للحسم فيما تعذر إصلاحه بالإجراءات الأولى للإصلاح، وهذه الإجراءات هي: {واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلًا إن الله كان عليا كبيرًا، وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها إن يريدا إصلاحًا يوفق الله بينهما إن الله كان عليمًا خبيرًا} [النساء: 35 - 36] .