وأعيد إلى الأذهان المحكمات والقطعيات الدينية التي سبق للكافرين أن أجهزوا عليها وتركوها في بلاد الإسلام كلها حبرًا على ورق، ورسمًا في مصحف، أو قل؛"سمقًا"على لوح ... شريعة للأحياء نقلت في غفلة من أهلها إلى المقابر، وصلاة التراويح، و"ديكور"تلفزيوني في رمضان، ولا شيء منها في محاكم الناس ومؤسساتهم وأسواقهم وشوارعهم ...
فأين الشريعة الغراء في الحدود والقصاص؟ أين القضاء الشرعي في الجنايات والخصومات؟ في الدماء والأعراض والأنفس والأموال؟ أين الحكم بما أنزل الله؟ أين قوله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى} [البقرة: 178] ؟ لماذا نعمل بقوله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام} [البقرة: 183] ؟ ولا نعمل بقوله سبحانه: {كتب عليكم القتال} [البقرة: 216] ، وأين الجهاد في سبيل الله؟ لا أقول على مستوى الطلب فقط، ولكن على مستوى الدفع وما أدراك ما الدفع، حيث الأمة محتلة عسكريًا في أكثر من ربع؟ أين قوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا نكالًا من الله والله عزيز حكيم} [المائدة: 38] ؟ أم أنه لا يسرق أحد؟ فإن كان كذلك، فما بال اللصوص قابعين في السجون؟ وأين قوله تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين} [النور: 2] ؟ أليس الزنا الآن حلالًا طيبًا ديموقراطيًا في الفنادق، ومقدماته في الأزقة، وتكاد الفاحشة تمارس على قارعة الطريق لا فرق في ذلك بين محصن وغير محصن؟ كيف نسمي سلطات تحكم بكل شيء إلا بالإسلام، فلا رجم ولا جلد ولا تعزير؟
ثم فرض الجزية على أهل الكتاب، موضوع بات الكلام فيه أقرب إلى الخيال، فهو إثارة الفتنة الطائفية كما يقولون، فانظر كيف تبدل العز إلى ذل وقد أصبحت حكومات المسلمين هي التي تعطي الكفار الجزية. أستغفر الله، بل إن أعداء الأمة يأخذون كل شيء، والحمد لله الذي جعلهم يتركوننا دون حبسنا في زرائبهم، وإن كان عالمنا الإسلامي لا يختلف كثيرًا عن زرائبهم.
الخمر مثلًا، هل ينازع في تحريمها مسلم؟ حتى الزنادقة لا يمارون فيها، إلا جدلًا، ومع ذلك ها هي ذي تعصر وتسوق وتمنح الرخص وفق القانون لكل من أراد فتح خمارة أوحانة لشربها في اطمئنان، بل إنها تباع في بعض دكاكين الأحياء بلا حياء، وكل ذلك تحت حماية أمنية منظمة ليلًا ونهارًا، سرًا وجهارًا، على مرأى ومسمع من العلماء والعامة على السواء في جل بلاد الإسلام، ويقولون إنهم يبيعونها فقط للسياح الكافرين، كأنه يجوز في شرع الله أن تباع للسياح الكافرين.
والتبرج؟ بل والعري؟ ولا سيما صيفًا في الشواطئ - رجالًا ونساءً - محارم وغير محارم، صغارًا وكبارًا، من غير إنكار ولا نكير، بله استنفارًا أو نفيرًا؛ حتى أصبح الويل كل الويل للملتزمة بدينها في قوله تعالى: {ياأيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورًا رحيمًا} [الأحزاب: 59] ، فطردت المتحجبات من وظائفهن وجامعاتهن ومدارسهن، واستهزئ بهن في كل مكان بمباركة كثير من الحكام، بل بأمر منهم كما في تونس وتركيا وغيرهما، ونال الزنادقة ولا يزالون ينالون من العفيفات حتى الآن. من لهذا التبرج والسفور والتفرنج والفجور؟