كلنا يعلم أن القوامة التي تعني فيما تعنيه إدارة الزوج لمؤسسة فاضلة تسمى الأسرة، إذ هذه المؤسسة على صغرها، هي كأية مؤسسة أخرى لا بد لها من إمارة ورئاسة، والرئيس إما أن يكون الزوج، وإما الزوجة، وإما هما معًا، وإما غيرهما، وإما لا أحد، وليس هناك حل آخر.
الحل الأول: أن تكون الأسرة بلا قيادة، فتلكم هي الفوضى الناتجة لزومًا عن تضارب المصالح واختلاط الأولويات وتعارض الرغبات ... وأسرة بهذه الشكل ليست أسرة ابتداءً.
الحل الثاني: أن يسير شؤون الأسرة أحد غير منتم لها، وهذا أيضًا لا يتأتى ولا يستقيم، إذ من ضروريات التسيير المعرفة والعلم بأسرار المؤسسة وظواهرها وبواطنها، وهو ما لا يمكن للغريب.
الحل الثالث: أن تكون القوامة أو قل الإدارة للرجل والمرأة مشاركة، وهذا عين الفساد، فالله تعالى احتج بوجوب فساد السماوات والأرض لو كان فيهما أكثر من إله: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} [الأنبياء: 22] ، وكذلك أي كيان يحتاج إلى إدارة وتسيير لا ينبغي أن تتوزع الكلمة الأخيرة على أكثر من واحد لكي لا يبغي بعضهم على بعض. من هنا لا سبيل إلى الشركة في القوامة.
الحل الرابع: أن تكون القوامة في يد الزوجة، وبالتالي تعثر المصالح - ولا بد - بحكم طبيعة المرأة في الإسلام، تلك الطبيعة التي تلزمها بالاستقرار في البيت للقيام بهامها العظيمة أحسن قيام، وهذا ما يفوت عليها الاطلاع الشمولي على مجريات الأحداث خارج البيت وهو ما يجعلها قاصرة على القيام بمهمة كهذه.
فإن فعلت، فهو تقمص لشخصية غير مناسبة، وبالتالي تضييع لمصالح أخرى لا تقل أهمية، ألا وهي مصالح البيت والطفل ... كما هو الشأن في البيوت المريضة بالتغريب، كلها مشاكل بدون حلول.
الحل الخامس: هو الحل الإسلامي: {الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم} [النساء: 34] ، فالحل القرآني لا يعطي فقط التوجيه الذي ينبغي أن يسلك، ولكن يعلل ذلك بأمرين، الأمر الأمل: {بما فضل الله بعضهم على بعض} ، والثاني: {وبما أنفقوا من أموالهم} .
يقول المفسر الكبير الحافظ ابن كثير: (يقول تعالى: {الرجال قوامون على النساء} ، أي الرجل قيم على المرأة أي هو رئيسها وكبيرها والحاكم عليها ومؤدبها إذا اعوجت، {بما فضل الله بعضهم على بعض} ؛ أي لأن الرجال أفضل من النساء، والرجل خير من المرأة، ولهذا كانت النبوة مختصة بالرجال وكذلك الملك الأعظم، لقوله صلى الله عليه وسلم:"ن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" [رواه البخاري من حديث عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه] ، وكذا منصب القضاء وغير ذلك، {وبما أنفقوا من أموالهم} ؛ أي من المهور والنفقات والكلف التي أوجبها الله عليهم لهن في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فالرجل أفضل من المرأة في نفسه وله الفضل عليها والإفضال، فناسب أن يكون قيمًا عليها كما قال الله تعالى: {وللرجال عليهن درجة ... الآية} ) .
قلت: على المتحمسات للكفر، المتمسحات بالإسلام الرجوع إلى مصادر التفسير المعتمدة وسيجدون أنفسهم في واد ودين الله تعالى في واد آخر.
أما الآخرون والأخريات من اللادينيين والزنادقة؛ فليسوا في حاجة إلى شهادة، لأنهم كفروا بالله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وهؤلاء ليس معهم حوار، وليقل لنا المنافقون والجهلة ما هي الدرجة التي للرجال على النساء في الآية، إن كانوا يؤمنون بالآية.
إنه لا خيار لنا - نحن المسلمين - فيما اختاره الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم لنا: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالًا مبينًا} [الأحزاب: 36] .