هل"الخطة"محل خلاف؟
نعم الخطة محل خلاف ... لكن بين من ومن؟ أما أن تكون محل خلاف بين المسلمين، فهذا أيم الله محال على كل حال، فالمسلمون لا يختلفون في كون تبديل الشريعة والطعن فيها واحتقارها وازدراء أهلها؛ كفرًا بالله.
ولا يختلف في ما هو معلوم من الدين بالضرورة البتة. لأن الخطة استبدلت الكفر بالإيمان.
وأما أن تكون محل خلاف بين المؤمنين بالشريعة الإسلامية من جهة، والمؤمنين بالشريعة الدولية من جهة أخرى، فهذا طبيعي ومنطقي وبدهي، فالكفر والإيمان لا يجتمعان ولا يتعايشان إلا بشروط الإسلام، والقول بالأضداد واعتقاد الصحة في هذا الإسلام وذاك الكفر قول مخبول لا يقول به إنس ولا جان، فإما إسلام وإما كفر، وليس هناك أنصاف حلول ولا أخماس ولا أسداس ... والناس مؤمن أو كافر: {هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما تعملون بصير} [التغابن: 2] .
ثم ننظر فيما يمكن أن يكون محل خلاف بين المسلمين حول القضايا التي هي هدف للتغيير من طرف المتغربين: أقصد تعدد الزوجات والولاية والقوامة وتقسيم التركة ... وما إلى ذلك مما هو رهن الطرح.
فالخلاف يمكن أن ينشأ عن إثارة السؤال التالي: هل هذه الأمور من مقتضيات العقيدة أو من مقتضيات الشريعة؟ وأنا أثير هذه المسألة هنا لأنها قد أثيرت فعلًا من طرف المتغربين، والجواب:
هي أولًا؛ كلها من مقتضيات الإسلام، فلا يجوز العبث بها، ولا حتى التفكير في تعديلها، فضلًا عن تغييرها.
وثانيًا: هناك فرق بين العقيدة والشريعة من حيث التعريف لكل منهما، فالعقيدة هي ما يعتقده المرء ويعقد عليه قلبه بخصوص الإيمان بالغيب، بدءًا من الإيمان بالله سبحانه وتوحيده في ذاته وألوهيته وربوبيته وما يدخل في ذلك من توحيد الأسماء والصفات والأفعال ... ومرورًا بالإيمان بملائكته وكتبه ورسله وأنبيائه واليوم الآخر، أي ما يجري فيه من جزاء وثواب، وحساب وعقاب ... وانتهاء بالإيمان بالجن وعذاب القبر ونعيمه، ثم كل ما يدخل في مسمى الكفر والإيمان ... وما إلى ذلك.
وفي المقابل تأتي الشريعة دينًا وطريقة متبعة تعنى بالحلال والحرام والواجب والمستحب والمندوب، وهي منهاج الإسلام الكامل والمتكامل الذي يضبط حياة المسلم ويربطها بدين الله تعالى، لكن من حيث أن الشريعة جاء بها الوحيان الكتب والسنة، وهذان يندرجان في الإيمان بالغيب أي بالعقيدة، فإن الشريعة تخضع ولا بد للجانب العقدي والإيماني، إذ لو أن أحدًا طبق الشريعة الإسلامية حرفيًا دون أن يعتقد أنها من عند الله، وأنه بتطبيقها عابد لله، لما نفعه ذلك شيئًا، قد ينتفع بها دنيويًا، لكن ليس له في الآخرة إلا النار، فمن هذه الناحية نقول الشريعة عقيدة أيضًا.
وبهذا إن شاء الله نحسم القول في الموضوعين. على أن الذين يخوضون في هذا الخوض إنما يفعلون ذلك بحثًا عن مسوغات لزرع الشقاق والمشاققة، ردًا على المسلمين الذين رفضوا خطة الكافرين جملة وتفصيلًا، وكأني بهم يريدون إيجاد مسوغ لهم للعب بالشريعة الإسلامية، لأنها في نظرهم مجرد شريعة، أما العقيدة فهذه هي التي لا يجوز الاقتراب منها، كذا يريدون القول، والعقيدة في القلب، وهكذا يخلصون إلى أنهم من المؤمنين الصادقين مهما عثوا في شرع الله فسادًا وتحريفًا وتخريفًا، لأنه مجرد شرع، فإذا امتنع المس بالأصل، فليس الأمر كذلك فيما يخص الفرع.