الصفحة 35 من 35

إن مسلك جل الحركيين مليئ بالمغالطات والغلطات وإن كان يعتمد في تحليله أو قل تحايله على العامة بأمور مسلمة، فجل هذه الحركات ضالة في معتقدها حيث الإرجاء اللعين يمزق كثيرًا من قلوبهم للأسف الشديد، بل إن أكابرهم يستهينون بكثير من مسائل العقيدة والشريعة، ويعتبرونها من بنات الأوراق الصفراء التي لا تليق بأهل هذا العصر"الأذكياء"و"الفطناء"، وفي المقابل لا يتورعون في وصف خصومهم بالخوارج أي باستعمال أقدم المصطلحات المستقاه من الكتب"الصفراء"نفسها ... فيتناقضون.

إن التدرج عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم تدرج ثابت يقينًا، لكن ليس على طريقة الحركيين، بل كان تدرجًا بدءًا من الأهم فالمهم - لا العكس - والأهم عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ التوحيد واجتناب الطاغوت، إذ كل الأنبياء والرسل بدأوا بهذا، ولا شيء آخر إلا بهذا: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولًا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} [النحل: 36] ، والبدء بقوله تعالى: {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها} [البقرة: 256] ، وعندما حقق النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذه الخطوة التي لا بد منها - إذ هي الأولى والأولى في سلم التدرج 0 وهي بالضبط ما تعنيه كلمة التوحيد - لا إله إلا الله - تحققت بعد ذلك تباعًا مستلزمات التوحيد الأخرى ... أما البدء بما يبدأ به جل"الإسلاميين"اليوم، فهو مضيعة للطاقات والأوقات لا مثيل لها.

من هنا أجزم أن كل خطة تغييرية بنائية لا تتم وفق سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصحابته رضي الله عنهم خطة محكوم عليها بالفشل سلفًا وبالشلل يقينًا، وهي مخالفة لأمر الله القائل: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا} [الأحزاب: 21] ، ويخطئ كثيرًا من يظن أن التأسي المراد في الآية خاص بالصلاة والحج وما إلى ذلك؛ بل هو تأس في كل عبادة صغرت أم كبرت، ولا شك أن التغيير من أعظم الأمور التعبدية فتأكدت القدوة النبوية وسقط الاقتداء بالضلالات الديموقراطية.

ولا يفوتني هنا التنبيه إلى أن أساليب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذات وجهات متعددة سواء على المستوى المادي أم المعنوي، فأنا عندما أحث حثًا وألح إلحاحًا على سيرته صلى الله عليه وآله وسلم في البناء والتغيير إنما أفرق بين هذا وذاك، لذا لا أقصد هنا الوسائل المادية الصرفة، مثل استعمال السلف الصالح للحمار والبغل والجمل ... والسيف والرمح ... واستعمالنا للأنترنيت والطائرة والسيارة و ... إلى آخره، ليست هذه الأشياء التي أقصد، إنما أريد المبدأ والمنهاج والغاية مما لا يتأثر لا بحمار من حيث هو وسيلة ... ولا بحاسوب، من حيث هو كذلك.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا

وكتبه محمد بن محمد الفزازي

طنجة؛ الخميس، 25/ذو الحجة/1420 هـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت