بالبلاء وبعنوان هذه الحلقة؛ دعونا نتعمق في تحليل النفسية الحُبشرطية؛ لنرى إن كانت مختبئة في ثنايانا ولأي درجة.
إن الحُبشرطي يتذاكى ويجري التجارب في تعامله مع ربه سبحانه وتعالى، يحاول أن يصل إلى نقطة"الموازنة"التي يشبع فيها رغباته دون أن تُقطع عنه النعم الدنيوية.
إذا ضم إلى حياته وأدخل في حياته معصية وأمرًا مما حرم الله فإنه يترقب: فإن استمرت نعم الله ولم ينزل العقاب فإنه يستنتج أنه ما زال ضمن نقطة الموازنة، ويعتبر هذا المحرم أحد المكتسبات، أشبع رغبته دون قطع النعمة.
وأما إذا أدت هذه المعصية إلى قطع نعمة من النعم أو نزول عقاب فإنه يستنتج أنه قد تجاوز نقطة الموازنة فيعود أدراجه ليتخلص من المحرم، ويعلن حالة الاستنفار القصوى: دعاء، بكاء، تضرع، اجتهاد، طاعات. لماذا؟
لأنه يريد عودة النعم ودفع النقم.
{وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ} .
إذًا {دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا} ، دعاء، يريد عودة النعم.
{وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ} ، يريد عودة النعم.
والمصيبة أن نفسية الحبشرطي تتبرمج مع مرور الزمن على هذه"الموازنة"بحيث يستقر في حسه أن النعم التي هو فيها من حقه وأنه يستحقها: {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي} ، يعني أنا أستحق هذه الرحمة، أستحق هذه النعم، أستحق رفع البلاء؛ لأنني أديت ما علي.
• وفقًا لهذه"الموازنة"فإن الحبشرطي يحب الله تعالى طالما أنه يمكن استمرار نِعَمِهِ ودفع نقمه -في نظره- بهذه الموازنة والمد والجزر، لذلك سمّيناه"الحُبشرطي"أي أنه يحب الله -عز وجل- حبًا مشروطًا؛ مشروطًا باستمرار النعم، مشروطًا باستمرار المصالح الدنيوية خاصة؛ فإن نفسية الحُبشرطي قلما تتذكر الآخرة.