الصفحة 32 من 93

وأما غسان، فقد هزَ الموقف كيانه! هو يحب أباه بالفعل، لكن قلبه كان قد ذهل عن هذه المحبة بتعلقه بالمصروف في الفترة الماضية. ملامح الأب الذابلة العابسة أيقظت مشاعر غسان، فأدرك كم كان مقصرًا في حق أبيه في الفترة الأخيرة، أدرك أنه كان أنانيًا لا يفكر كثيرًا في شعور أبيه ولا يجتهد في إدخال البهجة إلى قلبه، اغرورقت عينا غسان بدموع حارة وقال بصوت متهدج: (آسف يا أبي الحبيب، لقد غفلت عنك كثيرًا! سامحني أرجوك، الدنيا كلها لا تساوي ابتسامة منك) . قال هذه الكلمات وهو يقلب عينيه الدامعتين في وجه أبيه باحثا عن أية بادرة انفراج لعبوسه، لكن الأب بقي عابسًا صامتًا وخرج من غرفته وجلس على الأريكة لا يتكلم.

لحقه غسان وتحرك حول أبيه كالقط، فتارة يقبل يديه وتارة يقبل رأسه وتارة يمسك بيدي والده بين يديه ودموعه منهمرة على خديه وهو يقول: (سامحني يا أبي أرجوك، أنا أحبك، تعلم أني أحبك) .

تنازعت الأب مشاعرُ متباينة، فهو لا يحب رؤية ولده كسيرا بهذا الشكل، لكنه ما زال مصدوما من جفاء ولديه في أول الأمر، كما أنه يريد مزيدا من الضمانات لصدق محبة غسان، انسحب الأب وعاد إلى غرفته بصمت وأغلق الباب وراءه.

أحس غسان بالضياع فلحقه وقال من وراء الباب مناديا: (أبي أرجوك، لا أطيق الحياة دون رضاك، لا أستطيع العيش وأنا أراك غضبانا حزينا، لقد أخطأت يا أبي لكني أحبك، أحبك يا أبي، أرجوك سامحني، أرجوك ابتسم في وجهي، أرجوك ضمني إلى صدرك) . وتعالى صوت بكاء غسان كطفل فزعٍ تركته أمه في صحراء وتولَّت عنه.

حينئذ انهار سد الجفاء في قلب الأب أمام دموع غسان، فتح الباب ورفع ولده الذي كان جاثيا على ركبتيه وضمَّه إلى صدره وجعل يمسح دموعه ويقبل رأسه، استمر بكاء غسان، لكنه الآن بكاء فرحة وحنين أُشبع.

مدّ الأب يده في جيبه ليستخرج مصروف غسان، لكن غسان أعاد المحفظة إلى جيب أبيه وقال له وهو ملتصق بصدره: (دعنا الآن من المصروف، أريدك أنت يا أبي الحبيب، ما دمت راضيا عني فالدنيا كلها تهون) .

ولله المثل الأعلى، قد يعلم الله تعالى من عباده جفافًا في محبتهم له، وتعلقا بنعيم الدنيا الذي يمنحهم إياه، هو تعالى يتودد إلى عباده ويحب منهم أن يبادلوه الود ودًَّا، فإذا رأى منهم جفاءً وغفلة قطع عنهم نعمة من النعم ليهز كيانهم ويوقظهم من غفلتهم لعلهم ينتبهون إلى حقيقة أن النعمة ألهتهم عن المنعم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت