أما فقير المشاعر كـ"رامي"، فلا يفهم هذه الأبعاد، بل لا يزال في غفلته قد سيطر"المصروف"على تفكيره، فيستغفر الله ويجتهد في الطاعات ليسترجع"المصروف". ليست مصيبته في عتاب الله له، إنما مصيبته قطع"المصروف"! بلادة في التفكير، قصور في النظرة، فقر في المشاعر، أنانية في التعامل! لا يفكر إلا فيما يأخذه، ولا يرى من واجبه أن يعطي.
وأما صاحب الحس المرهف والقلب الحي كـ"غسان"، فإن قطع"المصروف"يزيل عن عينيه الغشاوة ليبصر المصيبة الحقيقية، أنه قصر في حق الله تعالى وغفل عنه، فكل ما يسيطر على كيانه هو كيف يسترضي الله تعالى ويبرهن له على أنه يبادله الود ودًَّا، أما عودة"المصروف"فتصبح قضية ثانوية، لأنه قد يعيش، ولو بصعوبة، دون المصروف، لكنه لا يطيق لحظةً من الضياع الذي سيعانيه إذا فقد معيَّة الله تعالى أو أحس بأن الله تعالى لا يحبه.
في النهاية، قد يعود"المصروف"للاثنين: {كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا} .
لكن الأول، فقيرَ الشعور، سيخرج من البلاء كما دخل فيه لم يستفد شيئًا، ما دام يرى عودة"المصروف"غاية الآمال ومنتهى الطموحات. وأما الثاني فإن المحنة كانت أكبر منحة له، حيث أطلقت روحه من قيد الغفلة لتدور في فلك محبة الله تعالى، {هَلْ يَسْتَوِيَانِ مثلًا} .
(ورد عن السلف أن بعضهم كان يُبتلى بمرض أو غيره وقد عُرف عنه أنه مستجاب الدعوة، ومع ذلك لا يدعو الله تعالى بكشف البلاء، ستقول: هذه المرويات فيها مبالغة. ربما نعم، ولكننا إذا فهمنا المعاني المذكورة في هذه الحلقة فلا نستبعد أن يحصل ذلك، فلعل هذا المبتلى فهم البلاء على أنه تذكرة من الله تعالى بأنك قد غفلت عن خالقك، ويريد ربك منك أن تبادله التودد توددا، فيسيطر هذا التفكير على كيان المؤمن المبتلى ويعيد حساباته ليكتشف مواطن الغفلة ويُنَشّط معاني المحبة ويتفنن في البرهنة لربه على صدق محبته له سبحانه وتعالى.
مثل هذا التفكير لا يبعد أن يشغل المؤمن عن الدعاء بكشف البلاء، بل قد يرى إعطاء الأولوية للدعاء بكشف البلاء سوء أدب لأنه يدل على عدم اعتناء بالسبب الذي من أجله ابتُلي (التذكرة بمبادلة التودد