الصفحة 48 من 93

إن هذه الآية حين تستقر في القلب تحدث تحولًا جذريا في مشاعر الإنسان وموازينه، فتيئسه من كل رحمة في الأرض وتعلقه برحمة الله، تلك الرحمة التي يستشعرها قلب المؤمن في كل وضع ولو فقد كل شيء، فمن أنعم الله عليه بهذه الرحمة ينام على الشوك فإذا هو مهاد لين، بينما من فقد هذه الرحمة ينام على الحرير فيجده شوكا لأن الله تعالى قال في الآية نفسها: (( وما يمسك -يعني من الرحمة-فلا مرسل له من بعده ) )، فإن أمسك الله رحمته عن عبد فقوى الأرض كلها لا تعارض مشيئة الله ولا تنزل رحمته بهذا العبد.

ثم قال سيد قطب رحمه الله:

ومن رحمة الله أن تحس برحمة الله! فرحمة الله تضمك وتغمرك وتُفيض عليك. ولكن شعورك بوجودها هو الرحمة. ورجاؤك فيها وتطلعك إليها هو الرحمة. وثقتك بها وتوقعك في كل أمر إياها هو الرحمة. والعذاب هو العذاب في احتجابك عنها أو يأسك منها أو شكك فيها. وهو عذاب لا يصبه الله على مؤمن أبدًا {إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} .

إذًا عندما تحس برحمة الله، وترجو رحمة الله، وتنتظر رحمة الله -عزَّ وجلَّ-، وتتوقعها؛ فإن هذا من رحمة الله -سبحانه وتعالى-.

ثم قال:

ورحمة الله لا تعز على طالب في أي مكان ولا في أي حال. وجدها إبراهيم عليه السلام في النار. ووجدها يوسف عليه السلام في الجب كما وجدها في السجن. ووجدها يونس عليه السلام في بطن الحوت في ظلمات ثلاث. ووجدها موسى عليه السلام في اليم وهو طفل مجرد من كل قوة ومن كل حراسة، كما وجدها في قصر فرعون وهو عدو له متربص به ويبحث عنه. ووجدها أصحاب الكهف في الكهف حين افتقدوها في القصور والدور. فقال بعضهم لبعض: {فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ} ووجدها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصاحبه في الغار والقوم يتعقبونهما ويقصون الآثار، ووجدها كل من آوى إليها يأسًا من كل ما سواها.

أية طمأنينة؟ وأي قرار؟ وأي وضوح في التصورات والمشاعر والقيم والموازين تقره هذه الآية في الضمير؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت