الصفحة 49 من 93

آية واحدة ترسم للحياة صورة جديدة؛ وتنشيء في الشعور قيمًا لهذه الحياة ثابتة؛ وموازين لا تهتز ولا تتأرجح ولا تتأثر بالمؤثرات كلها.

إذًا أخي أيًا كان بلاؤك، انتظر رحمة الله، وارجو رحمة الله، وتوقع رحمة الله؛ وسيرحمك الله -عزَّ وجلَّ-.

ثم قال سيد رحمه الله-وهنا أنقل قوله باختصار-:

ويبقى أن أتوجه أنا بالحمد لله على رحمة منه خاصة عرفتها منه في هذه الآية. لقد واجهتني هذه الآية في هذه اللحظة وأنا في عسر وجهد وضيق ومشقة. واجهتني في لحظة جفاف روحي، وشقاء نفسي، وضيق بضائقة، وعسر من مشقة، ويسر الله لي أن أطلع منها على حقيقتها، وأن تسكب حقيقتها في روحي؛ كأنما هي رحيق أرشفه وأحس سريانه ودبيبه في كياني. حقيقة أذوقها لا معنًى أدركه، فكانت رحمة بذاتها -أي هذه الآية بحد ذاتها أحسها رحمة خاصة له من الله في لحظة عسره تلك- وقد قرأتها من قبل كثيرًا. ومررت بها من قبل كثيرًا. ولكنها اللحظة تسكب رحيقها وتحقق معناها، وتنزل بحقيقتها المجردة، وتقول: هأنذا، نموذجًا من رحمة الله حين يفتحها فانظر كيف تكون!

إنه لم يتغير شيء مما حولي. ولكن لقد تغير كل شيء في حسي! إنها نعمة ضخمة أن يتفتح القلب لحقيقة كبرى من حقائق هذا الوجود، كالحقيقة الكبرى التي تتضمنها هذه الآية [1] . نعمة يتذوقها الإنسان ويعيشها؛ ولكنه قلما يقدر على تصويرها، أو نقلها للآخرين عن طريق الكتابة. وقد عشتها وتذوقتها وعرفتها. وتم هذا كله في أشد لحظات الضيق والجفاف التي مرت بي في حياتي. وهأنذا أجد الفرج والفرح والري والاسترواح والانطلاق من كل قيد ومن كل كرب ومن كل ضيق. وأنا في مكاني! إنها رحمة الله يفتح الله بابها ويسكب فيضها في آية من آياته. انتهى كلامه -رحمه الله-.

كلام جميل جدًا من إنسان أحس فجأة برحمة الله فأغنته عن الدنيا كلها وهونت عليه المصاعب كلها.

أخي، أنت في الأوضاع الاعتيادية عندما تحس بالفرح فإنك قد تعزو هذا الفرح إلى الأسباب المادية؛ صحتك، مالك، مكانتك، زوجتك، أولادك، ما تتلذذ به من طعام وشراب، لكن عندما تكون في بلاء شديد وتفقد كثيرًا

(1) أي {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت