الشيطان يورد في خواطرهم هذه التساؤلات عن القدر. كنت أغبطهم وأتضايق من نفسي وأقول لها: لماذا يا نفسي لا تكونين مثلهم؟ لماذا تتأثرين بهجمات الشيطان الذي يريد أن يزعزع تسليمك وطمأنينتك؟
لكن إخواني، بعد فترة اكتشفت أن هذا الذي يحصل معي هو مرحلة نافعة في تكويني الإيماني! ففي كل مرة كان الشيطان يهجم فيها على قلبي ليحاول تعكيره تجاه القدر كنت أستجمع ما أعرفه من كتاب وسنة ومواقف وأشعار وتأملات لأصد هجومه، فأؤلف قصيدة أو خاطرة أُثَبِّتُ بها نفسي وأصد بها هجوم الشيطان أولًا ثم أُفيض بها على من حولي. فما أن ينقشع غبار المعركة حتى أرى عدوي قد ولَّى منهزمًا ومحبتي لخالقي قد زادت وإيماني قد تمحص واليقين بحكمة الله ورحمته قد ضرب جذوره أكثر عمقًا في قلبي.
الشعور السلبي نفسه، إن تركته؛ عكَّر على علاقتك بالله، وإن تعاملت معه بشكل سليم؛ تحول إلى محبة وإيمان ويقين.
بهذا تقلب سلاح الشيطان عليه وترد كيده عليه، فلعله يقول بعدها: يا ليتني لم أوسوس له أصلًا.
ذكرت قصتي هذه مع وساوس الشيطان لأحد إخواني في الأسر فقال لي: هذا المعنى يمكن أن يُلتمس ويُستوحى من كتاب الله! فقلت له: أين؟ قال: في قوله تعالى:
{فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (53) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الحج: 52 - 54] .
لاحظ! {فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ} ، يُبطل الله -عزَّ وجلَّ- فعل الشيطان ويبقى قول الله الحقُّ والعلم النافع في الصدور. بينما {لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ} ، قاسي القلب ومريض القلب يُفتن بشبهات الشيطان وغاراته، قلبٌ خالطته الشهوات والتعلق بالدنيا ولم يعتن صاحبه بالعلم النافع الذي يصد به الوساوس. وفي المقابل: {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ} ، الذي يتسلح بالعلم فإن الشبهة والنزغة الشيطانية تزعجه وتفزعه وتحركه، يخاف أن تبقى في قلبه فتفسد عليه إيمانه، فهو يريد أن يأتي الله بقلب سليم. فيستجمع إيمانه ليصد الهجوم، فيزيد