البعثة، عشرة سنوات من البعثة أصحابه فيها يُعذبون ويُشردون ويُقتلون، ولا يدري النبي -صلى الله عليه وسلم- كم ستمتد هذه المعاناة.
كانت هذه أشق لحظات حياة النبي -صلى الله عليه وسلم-. وصفها النبي بقوله في الحديث المتفق عليه: «فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب» ، قرن الثعالب منطقة تبعد حوالي 35 كيلومترا عن الطائف، سار النبي -صلى الله عليه وسلم- هذه المسافة في حر الشمس ووحشة الصحراء دون أن يشعر بها من شدة الهم.
طيب أين كان لطف الله -عزَّ وجلَّ- بنبيه في هذه اللحظات؟ انظروا إلى لطف الله -سبحانه وتعالى-، في هذه اللحظة كأن الله تعالى وضع الكفار جميعًا في قفص الاتهام، وأعطى رسوله مطلق الحرية في القضاء لينفذ فيهم الحكم الذي يشاء، ففي تتمة الحديث المتفق عليه الذي ذكرناه قال عليه الصلاة والسلام: «فرفعت رأسي وإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل عليه السلام فناداني فقال: إن الله تعالى قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملَك الجبال لتأمره بما شئت فيهم. فناداني ملك الجبال فسلم عليّ ثم قال: يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربي إليك لتأمرني بأمرك. فما شئت؟ إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين» .
سبحان الله! نفس النبي كسيرة بما لقي من أهل مكة والطائف، وقدماه لا زالتا تدميان، فيجعل الله تعالى حبيبه بهذا العرض في مقام الحاكم نافذ الأمر، بينما الكفار جميعًا كأنهم قيدوا بالسلاسل أذلة صاغرين ينتظرون حكم النبي.
ملكان ينتظران كلمة من شفتي النبي تنهي المعاناة وتشفي الصدر وتذهب غيظ القلب، انظر كم هو محمد -صلى الله عليه وسلم- كريم القدر عند ربه سبحانه! أليس هذا لطفًا عظيمًا من الله بحبيبه؟ عندما يرى رسول الله قدره عند ربه ومحبة ربه له وغضبه من أجله، ربه يسلمه الأمر ويقول له افعل ما تشاء بهم.
فما كان منه -صلى الله عليه وسلم- إلا أن قال للملكين -بمنتهى السمو الإنساني والعظمة البشرية-: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئًا» . بأبي هو وأمي -صلى الله عليه وسلم.