الصفحة 71 من 93

أليس هذا لطفًا عظيمًا من الله بنبيه، أن يسلِّمه زمام الأمر ويجعله صاحب القرار، ثم النبي من نفسه يختار الصبر على أذاهم، لا عن عجز، بل عن عظمة ورحمة. فبدل أن يشعر النبي بالقهر وانعدام الحيلة تجاه هؤلاء المعاندين يصبح في لحظة كالأب الذي اختار هو بنفسه الصبر على هؤلاء الأولاد العاقين.

وقد روى أهل السير حديثًا مرسلًا أن غلامًا نصرانيًا اسمه عدَّاس أسلم على يد النبي في هذه الرحلة أيضًا.

(عندما تُبتلى يا أخي تأمل كيف أن بلاءك كان من الممكن أن يأتي أشد، ثم تأمل وجوه لطف الله تعالى بك.

•عندما تعرض صاحبكم لبلاء الأسر فتح الله عليه بتأمل وجوه اللطف الرباني، فكتبت في بدايات الأسر قائمة بعنوان: (أمور خففت البلاء) . وصلت فيها إلى 37 أمرًا خفف الله بها هذا البلاء، ثم اكتشفت كثيرًا غيرها بعدها.

يخفف الله عنك باللقاء برجل ابتُلي قبلك فصبر، ببسمة تراها على وجه أخيك، برعاية الله لعيالك ومن يهمك شأنهم، بمحبة أناس نبلاء ومساندتهم لك، بكتاب تقرأه، بذكرى جميلة، بأمل في الفرج ينبعث في قلبك، بصورة جميلة للمستقبل ترتسم في ذهنك، بتوسيع الله لك في جانب آخر من حياتك غير الجانب الذي ضاق عليك، بتعريضك قبل البلاء الكبير لبلاء أصغر يمرنك ويعودك على الصبر، بكشف الله قبح ظالمك، وغيرها الكثير.

ومن لطائف اللطف الرباني أنك تكون في بلاء تضيق به ثم يأتيك بلاء آخر جديد، يزيد همك أكثر فأكثر، فإذا فرج الله هذا الهم الجديد؛ انشرح صدرك وهان عليك بلاؤك الأصلي.

ومن لطائف اللطف الرباني تلك الرؤى الطيبة المصبرة التي رأيت من نفسي ومن كثيرين حولي مذاقها الجميل، وكم صبَّرت من مبتلى وهدَّأت نفسه، لطف لا يكن في حساباتك ولا يخطر ببالك قبل وقوعه عادة.

قد تقول في نفسك، لكن هناك بلايا لا نرى فيها لطفًا، فأين اللطف فيما يحصل مع إخواننا في سوريا وهم تُنتهك حرماتهم ويعذبون ويحرقون ويُدفنون أحياء؟ فالجواب: بل أعظم مظاهر اللطف نراها في بلائهم! ألا وهو تثبيتهم على الإيمان في لحظات تعذيبهم وقتلهم، بدلًا من موتهم على معصية. إنسان على وشك مفارقة الدنيا والرحيل إلى ربه -عزَّ وجلَّ-، مثل هذا لا يحتاج تخفيف البلاء، بل مضاعفته ليتضاعف الأجر، وينحط الوزر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت