الصفحة 74 من 93

(أعود فأقول: يعرف هذا من نفسه كل من في قلبه حياة، أما من مات قلبه فإنه يستمرئ المنكر وتعجبه نفسه ولا يعظم حق ربه؛ فيستصغر معصيته ويستكثر طاعته.

فإن كنت لا ترى ستر الله عليك فهذه دلالة خطيرة أن قلبك قد قسا وما عاد يرى فضل الله بالستر عليك. دلالة أن المعصية هانت عليك لهوان حق الله عندك، ومما هونها أن الله لم يفضحك بها. فلو أطلع الناس عليها ورأيت نفرتهم عنك وسقوطك من عينهم حينئذ لندمت عليها وعظمت في عينك. لكن لم يطلع عليها إلا الله، وهان عندك حق الله، فهانت عليك معصيتك.

نبهنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى أن كل واحد منا يمكن أن يُكشف ستره من حيث لم يحتسب فقال: «يا معشر من أسلم بلسانه، ولم يفض الإيمان إلى قلبه! لا تؤذوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم؛ فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم؛ تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته؛ يفضحه، ولو في جوف رحله» .

فكر وتذكر وتدبر، كم مرة سترك الله تعالى، لتحب ربك الستير سبحانه. عندما تكون في جنازة فتسمع ثناء الناس على الميت تصور كم مرة يعصي الإنسان ربه في مدة حياته، ستين أو سبعين سنة، ثم عند الموت يذكره الناس بخير ويستره الله.

بل انظر إلى تواصل ستر الله على عباده المؤمنين يوم القيامة. في الحديث الذي رواه البخاري أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إن الله يدني المؤمن-أي: يوم القيامة- فيضع عليه كنفه ويستره، فيقول: أتعرف ذنب كذا، أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أيْ رب. حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه هلك، قال: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيُعطى كتاب حسناته» تصور! معاص سترها الله في الدنيا فلم يعلم بها إلا الله ثم صاحبها والحفظة من الملائكة، ثم سترها الله بعد وفاة صاحبها ثم سترها يوم القيامة فدُفنت وكأنها ما كانت، ولا يظهر الله إلا محاسن صاحبها فيُعطى كتاب حسناته فينطلق ويقول: (هاؤم اقرؤوا كتابيه) . كيف أيها العبد لو لم يسترها الله؟ أكنت تقول للعالمين هاؤم اقرؤوا كتابيه؟

بل قد تعمل عملًا لله تعالى تُسر به لئلا يدخل قلبك الرياء، فيقبله ربك عز وجل، ثم يظهر هذا العمل على يد أعدائك فيزيد محبتك في قلوب الناس ويرفع قدرك عندهم أنك أسررت به، ويعود عدوك خاسئًا مدحورًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت