أذكر أنني في مرة من المرات تردَّدت هذه العبارات في كياني تجاه أخي الأكبر، بعد إحدى زياراته لي أثناء أسري، أخي الأكبر أحسن لي طوال حياتي، وعندما أُسرت لم يهدأ له بال ولم يذق طعم الراحة ونذر نفسه وسعى في كل اتجاه حتى يرفع الظلم عني. كان يتفنن في سد فراغي عند أولادي. كان يأتي لزيارتي مُثقلًا بالهموم من صدمة ما رآه أثناء سعيه في قضيتي من ظلم واستخفاف بالكرامة الإنسانية. لكنه مع ذلك كان يتمالك نفسه ويتصنع الابتسامة ويختار العبارات ويستحضر الأخبار السارة ليحافظ على معنوياتي مرتفعة.
بعد إحدى زياراته لي في الأسر، وهو يبتسم بسمة المغادرة ويقول لي (دير بالك على حالك. إن شاء الله الفرج قريب) ، نظرت إليه وهو يفارقني ويذهب، وبدأت تلك العبارات تتردد في صدري تجاه أخي: (أحبك، لقد غمرتني بإحسانك، لن أنسى لك جميلك ما حييت، حبي لك وصل مرحلة اللارجعة! مهما فعلتَ في المستقبل سأظل أحبك، لا أستحق منك ذلك كله! سأكون وفيًا لك ما حييت) .
شعرت بالسعادة والرضا عن النفس وأنا أفكر في هذه العبارات، ثم فجأة، أُلقي في روعي سؤال مهم: من الأَولى بعبارات كهذه؟ أليس هو الله سبحانه وتعالى؟
ألم يغمرنا بإحسانه؟ ألم يثبت لنا عنايته بنا وتكريمه لنا أن جعلنا مسلمين، وخاطبنا بكلامه ودلنا على ذاته وعرفنا بصفاته واكتنفنا بعطاياه في كل لحظة وأخبرنا عن جنة أعدها لنا ودلنا على سبيلها وتحبب إلينا بكلامه ونعمه ومغفرته لزلاتنا وفرحه بتوبتنا؟
كم مرة سألت الله فأعطاك؟ كم مرة وقعت في كرب فنجّاك؟ كم سنة ستر قبائحك عن الناس وأظهر لهم محاسنك؟ إلى قلب كم واحد من خلقه حببك؟ كم مرة نجَّاك من شماتة الأعداء بل حتى البلاء؟ ألا يسرك إن ارتضاك الله لجواره في دار كرامته فأراد تطهيرك لتليق بهذه المنزلة؟ فبدلًا من تطهيرك بالنار ابتلاك في الدنيا فطيبك وطهرك؟
ألا يكفي هذا كله في أن نبقى أوفياء لله ما حيينا؟ ألا تشعرنا هذه الرعاية والتكريم بالحياء منه سبحانه؟ هل سنبقى كلما امتحن الله حبنا له ببلاء دنيوي يتزعزع هذا الحب ويتعكر صفو مودتنا؟ هل سنبقى نفشل في الامتحان؟