أين يذهب بك أيها الرجل؟! أنحن بصدد إثبات حكم شرعي نتطلب الدليل عليه من الكتاب والسنة؟ أم نحن بصدد واقعة أو وقائع معينة، وقعت بعد انقضاء الوحي بأكثر من سبعمائة سنة، في عصر شيخ الإسلام؟ ألا تعرف -وأنت الرجل الذكي العالم- الفرق بين الأحكام والقواعد واستنباطها، وبين الوقائع المعينة وثبوتها؟
وسأعلمك:
لو كان كلام شيخ الإسلام مقررًا لوجود الجن فقط، لطالبه مناظره أو مجادله بالدليل على ذلك من الكتاب والسنة. وهذا هو الحكم الذي يطلب من أجل إثباته دليل منصوص من الكتاب والسنة، أو دليل مستنبط منهما. ولكن شيخ الإسلام رحمه الله يرى أن هذا ليس موضع الرد على المردود عليه. فإنه يقول بالحرف الواحد:"وأما كونه لم يتبين له كيفية الجن ومقاماتهم، فهذا ليس فيه إلا إخباره بعدم علمه، لم ينكر وجودهم". فهذا هو الحكم بوجود الجن: لم ينسب شيخ الإسلام للرجل المردود عليه أنه ينكر وجودهم، حتى يقيم عليه الدلائل من الكتاب والسنة. بل أثبت لخصمه أنه"لم ينكر وجودهم"، ولذلك لم يكتب له في هذا الموضع الدلائل من الكتاب والسنة، لأن وجودهم -عن هذه الدلائل- ليس موضع الخلاف والرد على ذاك الرجل.
وقد فهم شيخ الإسلام من كلام الرجل المردود عليه، أنه ليس فيه إلا إخباره بعدم علمه بكيفية الجن ومقاماتهم. فأراد أن يحجّه بالحال المشاهدة عند بعض الناس، ومنهم شيخ الإسلام نفسه. فقال:"إذ وجودهم ثابت بطرق كثيرة، غير دلالة الكتاب والسنة. فإن من الناس من رآهم ... ومن الناس من كلمهم وكلموه ... ولو ذكرت ما جرى لي ولأصحابي معهم لطال الخطاب".
وهذا كلام الرجل العالم الفاقه لما يقول، الواثق من نفسه ومن صدقه، ومن تصديق خصمه له إذا حكى ما رأى بعينه وسمع بأُذنه. إذ هو يعلم أنه لا يُدفع عن الصدق فيما يقول عما شهده. ولا عن الصدق فيما يَنْقل من العلم. ويعلم أن أحدًا من خصمه لم ينبِِْزْه بالكذب قط.
فهذه واقعة ... في رؤية شيخ الإسلام للجن وكلامه معهم -وقعت بعد انقطاع الوحي بأكثر من سبعمائة سنة. فليس لسامعها إلا أحدى اثنتين: أن يصدق راويها الذي يدَّعي أنها وقعت له، بما يعرفه من صدق لهجته، ومن عدالته وأمانته، ومن أنه أهل للشهادة تُقبل شهادته. ولا يستطيع أن يطلب منه دليلًا على صدقه من الكتاب والسنة. فما يعقل قط أن يطلب منه نصًا من الوحي على أنه صادق في هذه الواقعة أو الوقائع بعينها!! أو يكذِّب هذا الراوي فيما روى أنه وقع له.
وهذا التكذيب قد يكون للراوي نفسه، بدفعه عن الصدق، بما يعلم الدافع من حال الراوي وعدم عدالته. فيكون نفيًا خاصًا قاصرًا على الواقعة أو الوقائع التي يحكيها هذا الراوي.
وقد يكون التكذيب عامًا، غير قاصر على موضع الراوية، بل نف لأصل المسألة فكأنه يقول للراوي -حتى لو عرفه بالصدق والعدالة: إن الذي تقول وتحكي لا يُعقل أن يقع قط. لأن دلائل الكتاب أو السنة الصحيحة تنفيه، وتجعل وقوعه محالًا. فأنت إما كاذب مخترع، وإما واهم متخيّل!!
وهذا هو الذي صنعته أنت، وحاولت أن أبرئك منه، ووضعت بين يديك الفرصة لتنفيَ عن نفسك الشبهة! فأبيت.
جئت لواقعة أو قائع يروي شيخ الإسلام .. وهو الصادق القول، الثابت العقل، النيّر البصيرة -أنها وقعت له، كما وقعت لغيره، فنفيتها نفيًا قاطعًا عامًا فقلت له:"ليس ثم دليل على صدق أولئك المخبرين، ولعل أكثرهم كان واهمًا ومتخيلًا"!.
مَنْ أولئك المخبرون الذين"ليس ثم دليل على صدقهم"أيها العالم الذكي؟.
ليس أمامنا -في هذا الموضوع بعينه، وفي مقال شيخ الإسلام بعينه
من أولئك المخبرون الذين"ليس ثم دليل على صدقهم"أيها العالم الذكي؟.