فهرس الكتاب

الصفحة 114 من 121

ليس أمامنا -في هذا الموضوع بعينه، وفي مقال شيخ الإسلام بعينه- إلا مخبر واحد، هو شيخ الإسلام ابن تيمية. ثم مخبرون آخرون له، لم نعرف من هم، ولكنه هو الذي أخبرنا حاكيًا عنهم. أتريد أن يكون تكذيبك إنما يقع على أولئك المخبرين له؟ فلنفرض هذا. ولكن ماذا عن إخباره هو بأنه جرى له مع الجن شيء مما حكى؟ أهو صادق فيه أم كاذب؟ أهو واهم فيه ومتخيّل، أم ثابت العقل مستيقن؟!.

هذا هو الذي نتحدث فيه، ودع ما عداه!.

ثم أين في كلام شيخ الإسلام -في رسالته التي علقت عليها- إثبات"تيسر رؤية الجن، كرؤية المرئيات العادية"- حتى تدّعي أنك تقصد بيان خطئه؟ ثم من ذا الذي زعم من العلماء، بل حتى من المخرفين الأغبياء، من ادعى"تيسُّر رؤية الجن، كرؤية المرئيات العادية"؟!.

ألا تفقه ما تقول؟! أتكون كلمتي لك مخلصة لوجه الله -سببًا لمثل هذا الهراء. بل سببًا لخطأ في التعبير، لم تقصد إليه يقينًا، حين تقول"ونفى صدق الدليل الشرعي"!! تريد"ونفى وجود الدليل الشرعي"! وأنا أعرف أنك ستزعم أنها غلطة مطبعية. ولكن المصحح الذي كانت تُلصق به كل الأغلاط في كتبك ترك العمل معك منذ عهد بعيد!.

ثم تغالط وتقول عن حديث الشيطان الذي كان يسرق من تمر الصدقة"أنه ليس عامًا بالنسبة لكل الناس"! ومن ذا الذي زعم لك أنه"عام بالنسبة لكل الناس"؟! أتريد أن تقوّلني في مقالي ما لم أقل؟! إنك تنفي إمكان رؤية الجن نفيًا باتًا عامًا قاطعا، وتستدل بالآية على غير وجهها، لتكذّب بها من يدّعي أنه يراهم في بعض الأحيان. أي تجعل الآية دليلًا على الاستحالة الواقعية، لا الاستحالة العقلية. فهذا العموم في النفي يكفي في نقضه ثبوت حادثة واحدة صحيحة، وهذا هو موضع الاستدلال.

ثم قاصمة الظهر. وتلك التي لا شوَى لها:

إنك منذ درست السنة، والتزمت منهاجها الحق، كنت تأخذ مأخذ الاجتهاد، وتسير على الطريق السوي. ولست أرمي إلى إنكار هذا عليك -حتى لا تتأول كلامي فتوجِّهه إلى غير ما أقصد. ولعلي كنت من أوائل الدعاة في مصر إلى هذا الصراط المستقيم، وما أظنك تنكر علي ذلك. وقد فخرت بذلك في مقالك، ونفيت عن نفسك تهمة التقليد لابن تيمية أو ابن القيم أو غيرهما. فانظر ماذا فعلت؟

نقلت عن أحد الكتب، ولست أسميه لك الآن، أن البيهقي روى في مناقب الشافعي:"عن الربيع بن سليمان، أنه سمع الشافعي يقول: من زعم أنه يرى الجن رددنا شهادته، إلا أن يكون نبيًا".

أفأستطيع أن أفهم من كلامك -بما أخذت به نفسك من مذهب الاجتهاد -أنك لا تقلد الإمام الشافعي في هذا القول، وأن قد أدّاك اجتهادك إلى مثل قوله، فالتزمته قولًا لك، تذهب إليه وترتضيه، وأنك جئت بكلمة الشافعي استئناسًا، لا استدلالًا؟! وهذا بديهي من معنى قولك، ومن سياق حكايتك. لا تستطيع منه تفصِّيًا، ولا عنه نكوصًا.

أفتدري إلام ينتهي بك هذا القول وهذا الرأي؟ إنك باختيارك إياه قولًا، وبارتضائك إباه مذهبًا -تحكم حكمًا لا رجوع لك عنه، ولا مناص منه: أن شيخ الإسلام ابن تيمية ممن لا تقل شهادته عندك، لأنه ادّعى رؤية الجن والكلام معهم، بصريح قوله الذي نتحدث عنه.

وأعيذ شيخ الإسلام بالله منك ومن اجتهادك، ومن ادّعائك نصرته والذّياد عنه. بل هو أرفع عندنا قدرًا، وأعلى علمًا، وأصدق قولًا، من أن نأخذه بمثل هذه الكلمة التي نقلت عن الإمام الشافعي رضي الله عنه. والذي قاله شيخ الإسلام وحكاه عن نفسه وعن غيره ممن يثق به، نصدقه فيه، ولا نرى من دلالة الآية ما ينفيه. وأمامنا السنة الصحيحة تؤيده في إمكان الرؤية. لا نقصد بذلك إلى العموم الذي تُحرّف إليه الكلام:"تيسُّر رؤية الجن، كرؤية المرئيات العادية"- مما لم يقل به أحد قط فيما علمنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت