فهرس الكتاب

الصفحة 115 من 121

فانظر أين ذهبت براءَتك إلى الله من سوء الظن بشيخ الإسلام، وبراءتُك من رميه بالكذب -في صدر كلامك؟!.

ما أجد كلمة أصف بها عملك هذا، أحسن من كلمة قالها الطبري في تفسيره [1] ، يصوّر بها تناقض من يردّ عليه، قال:"ثم نقض ذلك من قوله، فأسرع نقضه، وهدم ما بنى، فأسرع هدمه"!!

وتسألني -أيها الصديق القديم- أين كنت يوم نقدت ابن تيمية في تعليقاتك على بعض كتبه؟.

وسأجيبك:

كنت حاضرًا، أرى وأسمع، وأقرأ وأعجب. ولا أزعم أنك كنت مخطئًا في كل ما تقول، ولا مصيبًا في كل ما تنقد. وكان الصواب قليلًا نادرًا. وكنت أحاول التفاهم معك في بعض الحالات. فكنت تستقبلني بالهزء والسخرية، وقلب الجد مزاحًا، كعادتك التي اصطنعتها منذ بضع سنين. وكنت أسكت. ولا أظنك تنسى ما كان من اشتراكنا في إخراج تهذيب السنن لابن القيم، وكيف كنت أعارضك في كثير مما تكتب من التعليقات، التي أتحرّج من أن تنسب إلي بحكم اشتراكنا في العمل. حتى اضطررنا إلى الاتفاق على أن يوقِّع كل واحد منا على ما يكتب. وكنت -في بعض الأحيان- إذا لم يعجبك حديث ثابت صحيح، ولم تستطع الحكم بضعفه -تذهب إلى تأويله بما يكاد يخرجه عن دلالة الألفاظ على المعاني. وكنت أنصحك بأن هذه الطريقة هي التي ننعاها وينعاها علماء السنة على أهل الرأي. فلم تكن ترجع عن اجتهادك. ثم ازداد الأمر حين كتبت هامشة معينة، حاولت إقناعك ببطلانها، فأصررت على إثباتها، فعزمت عليك أن لا تفعل، وأعذرت إليك أنها إذا طُبعت في الكتاب نقضت يدي من الاشتراك في تصحيحه، إذ لا أستطيع وضع اسمي على كتاب يُنْشر فيه مثل هذا الكلام. فلم تعبأ بكلامي. فتركت العمل فيه.

ولا أذكر أني كتبت مقالًا، أو نشرت شيئًا تتبعت فيه سقطاتك، كما زعمت ذلك ونسبته إلي.

ولذلك لم يعجبني قولك عني:"فليرح نفسه من يحاول ذلك، ويذهب متتبعًا سقطات". وكنت أتمنى أن لا تقوله، فإن الصدق في غيره.

وبعد:

فما كنت يومًا ما من المعوِّقين لك، الذين يلقون في طريقك الغبار والأشواك! فقد نسبت إلى ما لم يكن، بل كان غيره هو الصحيح. فكنت أنصرك في أكثر مواقفك، وأدفع عنك قادحيك. وكنت -إذا أخذت عليك مأخذًا- نصحتك به مواجهة صريحة، غير ملتوية ولا متخاذلة. وكنت في أول أمرك تقبل نصحي، أو تقنعني بخطئي. ثم كانت عاقبة أمرك -معي على الأقل- أن لا تقبل نصحًا، وأن تركب رأسك، وتسير في طريقك. فنسكت ولا نعوِّقك ولا نلقي في طريقك غبارًا ولا شوكًا. بل لطالما أسأت إلي، وأنا أعفو وأصفح، وأقابل إساءتك بالوفاء، والحرص على المودة القديمة التي كانت قائمة.

ولماذا ألقي في طريقك الغبار والأشواك؟ وأنا أراك منذ أكثر من عشر سنوات واقفًا على هُوَّة غطاؤها لا يكاد يتماسك، مما تُحَملُه من أعباء. وتصنع به من أحداث. وأنا أدينك بخطك، لا بكلامي ولا بكلام غيري، وقد أحكمت لك الحكمة، وزمامها بيدي. وكان الظن بك أن لا تضرب هذه اليد، إن يكن وفاء للصداقة القديمة، فخوفًا أن يُفْلت الزمام. ولكنك لا تبقي ولا تذر.

هدانا الله جميعًا إلى سبل السلام، ووفقنا للحق فيما نقول ونعمل، وجنّبنا مواقف الزلل، ومهاوى الأهواء، ونزوات الشيطان. وجعلنا من الهادين المهديين. والسلام.

(1) تفسير الطبري ج1 ص231، من طبعة دار المعارف بتحقيقي مع أخي السيد محمود محمد شاكر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت