فزعموا أن إباحة التعدد مشروطة بشرط العدل، وأن الله سبحانه أخبر بأن العدل غير مستطاع، فهذه أمارة تحريمه عندهم!! إذ قصروا استدلالهم على بعض الآية وتركوا باقيها: (وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ) وتركوا ما فيها: (فَلاَ تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ) . فكانوا كالذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض!
ثم ذهبوا يتلاعبون بالألفاظ، وببعض القواعد الأصولية، فسمّوا تعدد الزوجات"مباحًا"! وأن لولي الأمر أن يقيد بعض المباحات بما يرى من القيود للمصلحة!
وهم يعلمون أنهم في هذا كله ضالون مضلون. فما كان تعدد الزوجات مما يطلق عليه لفظ"المباح"بالمعنى العلمي الدقيق: أي المسكوت عنه، الذي لم يرد نص بتحليله أو تحريمه، وهو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما أحل الله فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو". بل إن القرآن نص صراحة على تحليله، بل جاء إحلاله بصيغة الأمر، التي أصلها للوجوب: (فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء) .
وإنما انصرف فيها الأمر من الوجوب إلى التحليل بقوله (مَا طَابَ لَكُم) .
ثم هم يعلمون -علم اليقين- أنه حلال بكل معنى كلمة"حلال"، بنص القرآن، وبالعمل المتواتر الواضح الذي لا شك فيه، منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى اليوم. ولكنهم قوم يفترون!
وشرط العدل في هذه الآية (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً) -شرط شخصي لا تشريعي، أعني: أنه شرط مرجعه لشخص المكلف، لا يدخل تحت سلطان التشريع والقضاء. فإن الله قد أذن للرجل -بصيغة الأمر- أن يتزوج ما طاب له من النساء، دون قيد بإذن القاضي أو بإذن ولي الأمر أو غيره، وأمره أنه إذا خاف -في نفسه- أن لا يعدل بين الزوجات أن يقتصر على واحدة. وبالبداهة أن ليس لأحد سلطان على قلب المريد الزواج. حتى يستطيع أن يعرف ما في دخيلة نفسه من خوف الجور أو عدم خوفه. بل ترك الله ذلك لتقديره في ضميره وحده. ثم علمه الله سبحانه أنه على الحقيقة لا يستطيع إقامة ميزان العدل بين الزوجات إقامة تامة لا يدخلها ميل، فأمره أن لا ميل"كل الميل فيذر بعض زوجاته كالمعلقة". فاكتفى ربه منه -في طاعة أمره بالعدل- أن يعمل منها بما استطاع، ورفع عنه ما لم يستطع.
وهذا العدل المأمور به مما يتغير بتغير الظروف، ومما يذهب ويجيء بما يدخل في نفس المكلف. ولذلك لا يعقل أن يكون شرطًا في صحة العقد. بل هو شرط نفسي متعلق بنفس المكلف وبتصرفه في كل وقت بحسبه:
فربّ رجل عزم على الزواج المتعدد، وهو مصر في قلبه على عدم العدل، ثم لم ينفذ ما كان مصرًا عليه، وعدل بين أزواجه. فهذا لا يستطيع أحد يعقل الشرائع أن يدعي أنه خالف أمر ربه. إذ أنه أطاع الله بالعدل، وعزيمته في قلبه من قبل لا أثر لها في صحة العقد أو بطلانه -بداهة- خصوصًا وأن النصوص كلها صريحة في أن الله لا يؤاخذ العبد بما حدّث به نفسه، ما لم يعمل به أو يتكلم.
ورُبّ رجل تزوج زوجة أخرى عازمًا في نفسه على العدل، ثم لم يفعل، فهذا قد ارتكب الإثم بترك العدل ومخالفة أمر ربه. ولكن لا يستطيع أحد يعقل الشرائع أن يدعي أن هذا الجور المحرم منه قد أثّر على أصل العقد بالزوجة الأخرى، فنقله من الحل والجواز إلى الحرمة والبطلان. إنما إثمه على نفسه فيما لم يعدل، ويجب عليه طاعة ربه في إقامة العدل. وهذا شيء بديهي لا يخالف فيه من يفقه الدين والتشريع.
والقوم أصحاب هوى ركب عقولهم، لا أصحاب علم ولا أصحاب استدلال، يحرفون الكلم عن مواضعه. ويلعبون بالدلائل الشرعية من الكتاب والسنة ما وسعهم اللعب.