فهرس الكتاب

الصفحة 118 من 121

فمن ألاعيبهم: أن يستدلوا بقصة علي بن أبي طالب، حين خطب بنت أبي جهل في حياة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استؤذن في ذلك قال:"فلا آذن، ثم لا آذن، ثم لا آذن، إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم، فإنها هي بضعة مني، يريبني ما أرابها، ويؤذيني ما آذاها". ولم يسوقوا لفظ الحديث، إنما لخصوا القصة تلخيصًا مريبًا! ليستدلوا بها على أن النبي صلى الله عليه وسلم يمنع تعدد الزوجات، بل صرح بعضهم بالاستدلال بهذه القصة على ما يزعم من التحريم! لعبًا بالدين، وافتراء على الله ورسوله.

ثم تركوا باقي القصة، الذي يدمغ افتراءهم -ولا أقول استدلالهم- وهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحادثة نفسها:"وإني لست أحرم حلالًا، ولا أحل حرامًا، ولكن والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله مكانًا واحدًا أبدًا".

واللفظان الكريمان رواهما الشيخان: البخاري ومسلم. انظر البخاري 9: 286 - 287، و6: 149 (فتح) . ومسلم2: 247 - 248.

فهذا رسول الله، المبلغ عن الله، والذي كلمته الفصل في بيان الحلال والحرام، يصرح باللفظ العربي المبين -في أدق حادث يمس أحب الناس إليه، وهي ابنته الكريمة السيدة الزهراء- بأنه لا يحل حرامًا ولا يحرم حلالًا، ولكنه يستنكر أن تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله في عصمة رجل واحد.

وعندي وفي فهمي: أنه صلى الله عليه وسلم لم يمنع عليًا من الجمع بين بنته وبنت أبي جهل بوصفه رسولًا مبلغًا عن ربه حكمًا تشريعيًا؛ بدلالة تصريحه بأنه لا يحرم حلالًا ولا يحل حرامًا، وإنما منعه منعًا شخصيًا بوصفه رئيس الأسرة التي منها على ابن عمه وفاطمة ابنته، بدلالة أن أسرة بنت أبي جهل هي التي جاءت تستأذنه فيما طلب إليهم علي رضي الله عنه. وكلمة رئيس الأسرة مطاعة من غير شك، خصوصًا إذا كان ذلك الرئيس هو سيد قريش، وسيد العرب، وسيد الخلق أجمعين، صلى الله عليه وسلم.

وليس بالقوم استدلال أو تحر لما يدل عليه الكتاب والسنة، ولا هم من أهل ذلك ولا يستطيعونه. إنما بهم الهوى إلى شيء معين، يتلمسون له العلل التي قد تدخل على الجاهل والغافل.

بل إن في فلتات أقلامهم ما يكشف عن خبيئتهم، ويفضح ما يكنون في ضمائرهم.

ومن أمثلة ذلك: أن موظفًا كبيرًا في إحدى وزارتنا كتب مذكرة أضفى عليها الصفة الرسمية، ونشرت في الصحف منذ بضع سنين، وضع نفسه فيها موضع المجتهدين، لا في التشريع الإسلامي وحده، بل في جميع الشرائع والقوانين!! فاجترأ على أن يعقد موازنة بين الدين الإسلامي في إحلاله تعدد الزوجات، وبين الأديان الأخرى -زعم!! - وبين قوانين الأمم حتى الوثنية منها! ولم يجد في وجهه من الحياء ما يمنعه من الإيحاء بتفضيل النصرانية التي تحرم تعدد الزوجات، ومن ورائها التشريعات الأخرى التي تسايرها بل يكاد قوله الصريح ينبئ عن هذا التفضيل!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت