وبعد: فإن الأستاذ سليم بك حسن كتب يعقب ما نقلنا عنه ما يكاد يفهم منه أنه لا يعتقد بنبوة موسى عليه السلام ولا رسالته، أو أنه لا يعرف هذه النبوة ولم يسمع بها، وأنا لا أجرؤ أن أتهمه بهذه التهمة الخطيرة، إني أخاف الله. ولكن ماذا أصنع وماذا يصنع القارئ في قوله (ص107) ما مثاله حرفًا بحرف:
"وما ذكره لنا كتاب التوراة [1] عن إقامة بني إسرائيل في مصر ينحصر في العهدين اللذين شملا حياة كل من يوسف وموسى. وإذا كان موسى هو المؤلف لهذا التاريخ، كما يدّعي كل من الأستاذ نافيل والأستاذ سايس، فإنه من الطبعي أن تكون محتويات هذا الكتاب كما هي"!!
ماذا أقول في هذا الكلام؟ رجلان من (علماء!) أوربة لا يؤْمنان بالأديان، ولا يسلمان بأن هناك كتبًا منزلة من عند الله، يبحثان في تاريخ التوراة -كما يفهم من سياق ما نقل عنهما الأستاذ سليم بك- فيرجح لديهما أن هذه التوراة التي في أيديهم هي توراة موسى نفسه، لا كتابة أحد من بعده، فيزعمان أن موسى هو مؤلفها! ولكن الأستاذ سليم بك حسن المسلم، الذي يعرف من دينه ومن قرآنه أن الله أنزل التوراة على موسى، يتردد في أن هذا الكتاب الذي في أيدي الناس هو الأصل، أو هو كتاب آخر صنع من بعده؟ أما إذا رجّح أنه ليس هو الأصل كما نرجح نحن لأدلة غير التي يعلمها، فموقفه أقرب إلى السلامة. وأما إذا رجح أنه هو الأصل، أو احتمل أن يكون كذلك عنده، فإنه لا يجوز له -في دينه دين الإسلام- أن يعبر بأن"موسى هو المؤلف لهذا التاريخ"حتى لو كان مقلدًا لغيره من علماء أوربة الملحدين، أيًا كان العذر، وأيًّا كان السبب. وأظن أن هذا من الوضوح بحيث لا يكون موضع ريبة أو تردد أو تأويل.
ثم أما بعد مرة أخرى: فإني لم أكن أريد لأُسْهب القول في هذا الموضوع، مخالفًا ما رسمت لنفسي في"كلمة الحق"أن تكون كلمات موجزة في دقة وإحكام، لولا أن رأيت كلام المؤلف هذا، وما فيه من تكذيب القرآن صراحة وضمنًا، بل ما فيه من سخرية واستهزاء بما أثبته القرآن بالنص الواضح الصريح!! فإن المؤلف الأستاذ رضي لنفسه أن يعبّر بعبارة نابية عن أضخم حادث وقع في تاريخ بني إسرائيل، بل في تاريخ مصر كله فيما نعلم، وعن أكبر معجزة لنبي الله"موسى"عليه السلام، فسماه"خرافة غرق الفرعون"!! ثم تناسى كل ما ورد عن هذا الحدث العظيم في القرآن الكريم، وذكر آية واحدة لعب بتفسيرها وتأويلها لعبًا لم يضرّ به إلا نفسه، فإنه قفا ما ليس له به علم، فكشف عن ذات نفسه في معرفته بقرآنه ودينه.
وهذه الجرأة من المؤلف الأستاذ، تصويره غرق فرعون الثابت في القرآن بأنه"خرافة"، هي التي دعتني للكتابة في هذا الموضوع، على كراهتي للجدال وإعراضي عنه، ولكني لم أستجز لنفسي أن أسكت على مثل هذا التهجم على القرآن، أيًّا كان كاتبه أو قائله.
(1) يريد"مؤلف التوراة؛ وهو إسرائيلي المنبت"؛ كما قال آنفًا.