إذن فاقرؤوا قول الله سبحانه في سورة النازعات: (هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى، إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى، اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى، فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى، وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى، فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى، فَكَذَّبَ وَعَصَى، ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى، فَحَشَرَ فَنَادَى، فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى، فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى) [1] .
واقرؤوا قوله سبحانه يحكي جدال فرعون لموسى: (قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إن كُنتُم مُّوقِنِينَ، قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ، قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ، قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ، قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ، قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ) [2] . ثم ذكر اجتماع السحرة وغلبة موسى إياهم ثم إيمانهم به وتوعد فرعون إياهم بتقطيع الأيدي والأرجل وبالصلب، وثباتهم في وجهه على الإيمان ثم قال سبحانه: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ، فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ، إِنَّ هَؤُلَاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ، وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ) [3] .
واقرؤوا في نحو هذه المواقف قول الله: (قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى، فَلَنَاتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَّا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنتَ مَكَانًا سُوًى، قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى، فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى) [4] . إلى أن غُلب السحرة فآمنوا وتوعدهم فرعون، فلم يعبئوا بوعيده: (قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) [5] .
يا سليم بك:
أفهذه حوادث تافهة في نظر المؤرخ المصري في ذلك العهد؟ أم هي من الحوادث التي لا يعرفها ذلك المؤرخ! أم هي من الحوادث التي إذا عرفها لم يسبغ عليها أهمية؟ ألا ترى أنك تستدل بدليل سلبي على نفي ما أثبته الله في القرآن؟! كل ما لديك أنه لم توجد أحجار من أحجار الوثنيين، أو كتابات مما يكتبون، تسرد هذه الأحداث الخطيرة التي هزّت المُلْك وأخرجت المَلِك عن طوره، ثم أخرجته من هذه الحياة فأسلمته إلى مصيره، وأوردته نار جهنم! وبينك وبين أولئك الناس آلاف السنين، وأحداث الدهر. أفلا يمكن أن يكون (المؤرخ المصري الوثني) الذي تثق به ثقة عمياء، كتب هذه الأحداث مفصلة أو مجملة، ثم ضاعت فيما ضاع من آثارهم، بتكسير الأحجار، أو بحرق أوراق البردي؟! ثم أنتم لا تزالون تجدون من أحجارهم وكتاباتهم ما لم تعلموا. فما يُؤْمِنُك أن يوجد من قريب أو بعيد ما يسجل هذه الأحداث؟ فلا تكون قد أفدت إلا أن كذّبت القرآن، ثم كذّبتك الأحجار والأوثان!! ولا أزال أعتقد أنك أعقل من هذا.
(1) الآيات 15 - 25 من سورة النازعات.
(2) الآيات 23 - 29 من سورة الشعراء.
(3) الآيات 52 - 55 من سورة الشعراء.
(4) الآيات 57 - 60 من سورة طه.
(5) الآية 72 من سورة طه.