"اليوم الرابع: وكان موسى حذرًا، لأنه على الرغم من أنه قد حصل على إذن من فرعون بالخروج من البلاد مع أتباعه كان يخاف أن يغير رأيه، ولذلك سلك طريقًا غير الطرق المعتادة، فلم يأخذ طريق الفلسطينيين على الرغم من أنها كانت قريبة كما شرحنا ذلك من قبل. وعلى الرغم من حذره فإن الفرعون غير رأيه فعلًا وتبع موسى وقومه في ستمائة عربة من خيرة عرباته يسوقها نخبة من فرسانه، وقد لحق المصريون بالإسرائيليين في معسكرهم بالقرب من (يام سوف) ومعناها العبري حرفيًا (بحيرة البوص) . واليم بالعربية: البحر، وخُصّ بنيل مصر كما جاء في لسان العرب ج5 ص104 (ويمكن الإنسان أن يراها على المصوَّر) وتشغل منخفضًا قد بقي حتى الآن تحت مستوى البحر، وقد كتب عليه في مصوَّر المساحة المصرية: يمكن ملؤه بالماء إذا احتاج الأمر، أي أنه إذا عمل قطع في الشاطئ الشرقي من قناة السويس فإن ماء البحر يملؤه. وقد منعت قناة السويس مياه مصرف بحر البقر القديم من إمداده بمياه النيل مما منع نمو البوص فيه. ويمكن أن يؤخذ منه الملح كما كانت الحال أيام الكاتب (بيبسا) . وقد أصبح موسى بهذا الموقف في مأزق حرج، فقد كانت بحيرة البوص على يمينه، وحصن مجدول بما فيه من حامية أمامه، سادًّا الطريق من جهة الشمال، وعلى يساره مستنقعات فرع النيل البلوزي، وخلفه الفرعون وجنوده، فلم يكن لديه أي وسيلة غير طلب العون والرحمة من الله، وقد نالهما، وأشار بعصاه نحو البحيرة على يمينه، ثم أرسل الله ريحًا شرقية، وقد جاء في التوراة أنها ريح شرقية عاتية ظلت تهب طول الليل، وهذه هي المعجزة، فكان الريح يهب في الاتجاه الصحيح في الوقت المناسب، وكان هبوبه شديدًا حتى جفف الأرض، وبذلك سار موسى وقومه على اليابس:"ومد موسى يده على البحر فأرسل الرب على البحر ريحًا شرقية شديدة طول الليل حتى جعل البحر جفافًا وانشق الماء"(راجع الخروج 14 - 21 [1] ، ولا يزال منسوب الماء حتى الآن متأثرًا بدرجة عظيمة بالريح في بحيرة المنزلة والبرلس، ويلاحظ أن الطريق من بلطيم حتى يرج البرلس تغطّى بالماء عندما يهب الهواء غربًا ثم تصبح جافة عندما يهب الهواء من الشرق ويمكن الإنسان أن يسير عليها بالعربة [2] "
ثم كشف المؤلف عن ذات نفسه، فقال بعقب ذلك:
(1) يريد"سفر الخروج مما يسمونه"التوراة"أو"العهد القديم"."
(2) يلاحظ هنا أن المؤلف لم يستطيع أن يصبر على ما جعله (المعجزة) لموسى، وهو هبوب الريح (في الاتجاه الصحيح في الوقت المناسب) فيكاد ينكره أيضًا، ويجعله شيئًا طبيعيًا معتادًا، ويكاد يجعل الإعجاز في أن دعاء موسى صادف الوقت المناسب فقط، فسواء أدعا أم لم يدع فإن هذا هو الشيء المتوقع الذي سيكون في ذلك الوقت، وهي خطة لم ينفرد بها المؤلف ولم يخترعها، بل كل الذين لا يؤمنون بالغيب وبالمعجزات، الذين يرونها شيئًا محالا يخالف سنن الكون، يتأولون معجزات الأنبياء السابقين الثابتة في القرآن على النحو الذي توافق به السنن الطبيعية، حتى تخرج عن معنى الإعجاز، إلى الشيء الطبيعي المعتاد، خشية أن يهزأ بهم الأوربيون، فيروهم متأخرين جامدين يؤمنون بما لا يوافق عقولهم!.