فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 121

فقال الحافظ ابن كثير:"ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات، مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية، المأخوذة عن ملكهم جنكيز خان، الذي وضع لهم"الياسق"وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها عن شرائع شتى، من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه. فصارت في بنيه شرعًا متبعًا، يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فمن فعل ذلك فهو كافر، يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يُحِكّم سواه في قليل ولا كثير. قال تعالى: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ؟) أي يبتغون ويريدون، وعن حكم الله يعدلون؟ (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ!) أي ومن أعدل من الله في حكمه لمن عقل عن الله شرعه، وآمن به، وعلم أن الله أحكم الحاكمين، وأرحم بخلقه من الوالدة بولدها. فإنه تعالى هو العالم بكل شيء، القادر على كل شيء، العادل في كل شيء".

أرأيتم هذا الوصف القوي من ابن كثير في القرن الثامن؟ ألستم ترونه يصف حال المسلمين في هذا العصر في القرن الرابع عشر؟ إلا في فرق واحد، أشرنا إليه آنفًا: أن ذلك كان في طبقة خاصة من الحكام، أتى عليها الزمن سريعًا، فاندمجت في الأمة الإسلامية، وزال أثر ما صنعت؟. ثم كان المسلمون الآن أسوأ حالًا منهم، لأن الأمة كلها الآن تكاد تندمج في هذه القوانين المخالفة للشريعة، والتي هي أشبه شيء بالياسق الذي اصطنعه جنكيز خان، يتعلمها أبناؤها، ويفخرون بذلك آباء وأبناء، ثم يجعلون مرد أمرهم إلى معتنقي هذا"الياسق العصري"ويشجبون من عارضهم في ذلك، حتى لقد أدخلوا أيديهم في التشريع الإسلامي، يريدون تحويله إلى"ياسقهم الجديد"بالهوينا واللين تارة، وبالمكر والخُدع تارة، وبما ملكت أيديهم من السلطان في الدولة تارات. ويصرحون -ولا يستحيون أنهم يعملون على فصل الدولة عن الدين!! وأنتم ترون ذلك وتعلمون.

أفيجوز مع هذا لمسلم أن يعتنق هذا الدين الجديد؟ أعني التشريع الجديد! أو يجوز لأب أن يرسل أبناءه لتعلم هذا واعتناقه واعتقاده والعمل به، ذكرًا كان الابن أو أنثى، عالمًا كان الأب أو جاهلًا؟!.

هذه أسئلة في صميم الموضوع وأصله، يجب الجواب عنها إثباتًا أو نفيًا أولًا، حتى إذا ما تحقق الجواب بالأدلة الشرعية الصحيحة، التي لا يستطيع مسلم أن يخالفها أو ينفيها أو يخرج عليها، استتبع ذلك -بالضرورة- سؤالًا محدودًا واضحًا: أيجوز حينئذ لرجل مسلم أن يلي القضاء في ظل هذا"الياسق العصري"وأن يعمل به ويعرض عن شريعته البينة؟!!

ما أظن أن رجلًا مسلمًا يعرف دينه ويؤمن به جملة وتفصيلًا، ويؤمن بأن هذا القرآن أنزله الله على رسوله كتابًا محكمًا، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وبأن طاعته وطاعة الرسول الذي جاء به واجبة قطعية الوجوب في كل حال -ما أظنه يستطيع إلا أن يفتي فتوى صريحة بأن ولاية الرجال القضاء في هذا الحال باطلة بطلانًا أصليًا، لا يلحقه التصحيح ولا الإجازة!!.

ثم يسقط السؤال عن ولاية المرأة هذا القضاء من تلقاء نفسه.

وثانيًا: أيجوز في شرع الله أن تذهب الفتيات في فورة الشباب إلى المدارس والجامعات، لتدرس القانون أو غيره، سواء مما يجوز تعلمه ومما لا يجوز؟! وأن يختلط الفتيان والفتيات هذا الاختلاط المعيب، الذي نراه ونسمع أخباره ونعرف أحواله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت