فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 121

ذلك بأن المبشرين والمستعمرين وأتباعهم وأنصارهم ربّوا فينا أجيالًا متتابعة، يُنزع الدين منها تدريجًا، وتُقلب حقائقه في النفوس والعقول وعلى مبادئ الثورة الفرنسية وغيرها من مبادئ الهدم والإلحاد، حتى لقد وضعوا على ألسنة العلماء أنفسهم أنهم"رجال الدين"، يضاهئون بذلك"رجال الدين"هناك، ليمكن يومًا ما أن يقال ما قالته هذه المدعية:"فإذا كانت الإجابة على هذه الأسئلة بالسلب، حق على وزارة العدل أن تتورع عن الزج بالدين في الأمور الاجتماعية البحتة"!! وليمكنها أن تقول أيضًا:"وقد أخطأت وزارة العدل السبيل حين توجهت إلى رجال الدين تستفتيهم في مسألة اجتماعية لا تتعلق بالدين في كثير أو قليل"!! بل ليمكنها أن تدعي أن مثل هذا يكون سببًا لأن"تتخلف عن السير في ركب الحضارة"!!.

فالمدعية ومحاميها، وأمثالهما، وكبراؤهم وزعماؤهم، يرون ما تراه أوربة، أو ترون ما فهموا أنه رأي أوربة، بل يغلون في ذلك أكثر من غلو سادتهم، فيزعمون أن دخول الدين في الحكم وفي المسائل الاجتماعية تخلف عن ركب الحضارة!! فيجهلون بديهيات الإسلام ومزايا دينهم القويم، ويرون أنهم إذا تمسكوا به وخضعوا لأحكامه تخلفوا عن ركب الحضارة! فلا يكون هناك خمر ولا رقص، ولا سفور ولا فجور، ولا اختلاط الشبان والشابات في المدارس والجامعات، والقهاوي والندوات، والصيد والقنص، والخلوات في الصحاري والسيارات! فإذا فقدوا هذا وأمثاله، فماذا بقى لهم من مقومات الحضارة؟!.

وأعجب من ذلك وأغرب: أن المدعية بلسان محاميها، تسُبّ دينها هذا السب المقذع، ثم تصفه بأنه"الحنيف"! ولم تكن بها حاجة إلى هذا التكلف والتناقض، وكان أقرب إلى منطق كلامها أن تصفه بوصف يناسب دينًا يتخلف المستمسك به عن ركب الحضارة!!.

ثم كان من المغالطات الكبرى أنهم -بما أُودع في نفوسهم من معارف ملتوية، وبما أشْرٍبَتْه قلوبهم من فقه لدين أوربة ووثنيتها وثورتها، بل وحضارتها-: أنهم فهموا الإسلام على غير وجهه، وظنّوه دين عقيدة وعبادة فقط، بل ليتهم أخذوا به على المعنى الذي فهموا، وإن كان خطأ أو نقصًا، إذن لسار بهم الدين"الإسلامي الحنيف"في سبيل الحق والهدى، حتى يعرفهم بما استمسكوا به من عقيدة وعبادة -لو كانتا- بأنه ليس كما رأوا عند أوربة ودرسوا، ولعرّفهم أنه"دين ودولة، وحكم وسياسة، وقضاء وولاية". وإذن لعرفوا معنى ما نقلناه عن الحافظ ابن كثير في الكلمة الماضية، أن من قدم أي قانون أو أي رأي على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله"فهو كافر، يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكّم سواه في قليل ولا كثير" [1] . وهذا شيء بديهي معلوم من دين الإسلام بالضرورة، لا يعذر بجهله أحد، أيًا كانت منزلته من العلم أو الجهل، ومن الرقي أو الانحطاط.

وليس هذا الخطأ من المدعية أو محاميها، وممن وراءهما من رجال ونساء، قاصرًا على بلادنا. إنه ليكاد يكون عامًا في أكثر المتعلمين المثقفين في بلاد الإسلام، خصوصًا البلاد التي خضعت لسيطرة المستعمرين يدفعهم المبشرون، وعامة في البلاد التي سايرت"رَكْب الحضارة المتعصبة ضد الإسلام. فتجد في بعض ما يقول الكبراء التناقض العجيب المدهش، كمثل ما نقلت إحدى الصحف الأسبوعية في عددها الصادر يوم الجمعة 7 صفر سنة 1370 (17 نوفمبر سنة 1950) عن ضيف كبير من ضيوف مصر، هو"سعادة السيد تمييز خان رئيس الجمعية التأسيسية بالباكستان"نقلت عنه تلك المجلة أنه قال:"

"إن الباكستان دولة إسلامية، ولكنها ليست دولة دينية، لأن الدولة التي تقوم على تعاليم الدين الإسلامي غير الدولة التي يتولى الحكم فيها رجال الدين"!!

(1) مجلة الهدي النبوي (العدد 3 من السنة 15 شهر صفر سنة 1370 ص13) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت