ثم جاءت هذه البُنَيَّة المدعية، فكشفت الستار كله عن مقاصد هؤلاء الدعاة، الذين كانوا يجمجون ولا يكادون يصرحون بالأصل الذي إليه يقصدون، وإن كانوا ليفعلون ويفعل من وراءهم، من المبشرين وأتباع المبشرين وأبناء المبشرين. ومن وراء أولئك المستعمرون المستترون والظاهرون: الذين يريدون استعباد المسلمين الأعزة، وهم يعلمون أنهم لا يصلون إلى ذلك إلا أن يقلبوهم أذلة بانتزاع هذا الإسلام، الذي أعزهم الله به من قلوبهم حتى يصيروا أذلة. والذين مهما ينسوا فلا ينسوا ثأر"لويس التاسع"الذي أسره المسلمون في مدينة"المنصورة"، وحبسوه في"دار لقمان"، ولا ينسوا ثأر هزائمهم المتوالية في الحروب الصليبية في مصر والشام، وطردهم من"بيت المقدس"، إلى آخر ما يعرف الناس عامة إجمالًا أو تفصيلًا.
هذه المدعية صرحت بما يريدون، بأوضح عبارة تكشف عن مقاصدهم وأقساها، ووضعت الأمر كله بين يدي هيئة قضائية من أكبر هيئاتهم، إن لم تكن أكبرها وأعلاها فقد كانوا من قبل يعملون على هينة وفي لين، وإذا تحدثوا عن ذلك تحدثوا بحكمة وتحوط حتى لا يثور عليهم المسلمون غيرة على دينهم! فإذا ما تحدث منهم متحدث، ألان القول ومهّد له، حتى لا يكاد القارئ المتوسط يشعر بما وراء ذلك من خطر على الدين وتدمير.
ولا أكاد أذكر قولًا صريحًا لواحد منهم، إلا كلمة رقيقة لينة، تنساب على الهوينى انسياب الأفعى، لرجل من كبار رجالهم ممن له مظهر إسلامي، أو ممن كان له مظهر إسلامي على الصحيح، قال في كلمة نشرت في صحيفة إسلامية!! واسعة الانتشار، في أواسط سنة 1368 (أوائل سنة 1949) قال فيها مما قال:"ولا يخفى أننا في مصر نجري -في حكمة واعتدال!! على فصل الدين عن أمور الحكم وخلافات السياسة"!!.
ولست أدعي أن هذه الكلمة هي أصرح ما قالوا من هذا اللون من القول، ولا أنهم لم يقولوا مثلها مراراَ، فإن مقدرتي على الاطلاع وعلى القراءة محدودة. ولكني أستطيع أن أجزم بأني لم أقرأ، أو على الأقل لا أذكر أني قرأت مثلها في التصريح بما ينوون ويعتزمون. وإن كنت واثقًا منذ عقلت الدين، وفقهت الأوضاع السارية في بلدنا، أن هذا هو المرمى والمآل من قبل أن نولد، بل من قبل أن يولد آباؤنا.
ثم جاءت هذه الدعوى، تضع الأمر كله على المنصة بين يدي القضاء، تعرض الموضوع من أوله:"هل تقوم في مصر حكومة دينية؟ وهل الحكومة القائمة تطبق المبادئ الشرعية حقًا وصدقًا؟ أو هل يعيش المصريون في مجتمع شرعي تطبق فيه أحكام الدين الحنيف؟".
وهذه أسئلة في الصميم، لا تستطيع المدعية ولا محاميها، بل لا يستطيع من هو أكبر منهما وأعلم، من رجال القانون وغيرهم، أن يجيبوا إلا بالسلب. بل أنا لا أستطيع أن أجيب إلا بالسلب! فليس في مصر حكومة دينية، والحكومة القائمة -أعني نظم الدولة- لا تطبق المبادئ الشرعية حقًا وصدقًا، بل لا تطبقها كذبًا وزورًا! بل أقول أكثر من هذا: إن النص في الدستور على أن دين الدولة الإسلام لا يمثّل حقيقة واقعة، إنما هو خيال ووهم، كبعض ما اقتبسنا من سخافات أوربة في الخيال والتمثيل. والمصريون لا يعيشون في مجتمع شرعي تطبق فيه أحكام الدين الحنيف.