وقد أوضحت هذا المعنى وما إليه، بأقوى ما أستطيع من بيان، في تلك المحاضرة المصادرة إذ ذاك. وكانت للدعوة إلى أن (الكتاب والسنة يجب أن يكونا مصدر القوانين في مصر) وهذا هو عنوانها وموضوعها الذي أُعدّت من أجله. فقلت فيها:
"وأريد أولًا أن أقول كلمة ترفع شبهة عن دعوتنا. فإني عُرِفْتُ بين إخواني ومعارفي بالدفاع عن العلماء عامة، وعن القضاء الشرعي خاصة، فقد يبدو لبعض الناس أن يؤوّل دعوتي إلى نحو من هذا المقصد."
"كلا، فإن الأمر أخطر من ذلك، ومقصدنا أسمى من أن نجعله تنازعًا بين طائفتين، أو تناحرا بين فريقين. إنما نريد رفع ما ضُرب على المسلمين من ذل، وما لقيت شريعتهم من إهانة بوضع هذه القوانين الأجنبية."
"إنما ندعوكم بدعوة الله، ندعو الأمة أن تعود إلى حظيرة الإسلام، ندعو إلى وحدة القضاء، وإلى التشريع بما حكم الله: (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [1] (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا) [2] ."
"ضعوا القوانين على الأساس الإسلامي، الكتاب والسنة، ثم افعلوا ما شئتم، فليحكم بها فلان أو فلان. لسنا نريد إلا وجه الله" [3]
هذا ما قلته ولا أزال أقوله، وأعتقد أن كل داع إلى العمل بالشريعة الإسلامية يقوله. وأظن أنه يرفع كل شبهة عن دعوتنا الحقة الصادقة المخلصة، ولا يدع مجالًا لمن يعادي التشريع الإسلامي، ممن أُشربوا عقائد الإفرنج، أن يظنوا حالنا كحال أوربة قبل موجة الإلحاد، التي قامت هناك لتدمير سلطان"رجال الدين"عندهم وطغيانهم. ثم لا يدع محالًا لأن يقول ما قالته المدعية وما قاله أمثالها من قبل، من الفرق في الإسلام بين شؤون الاجتماع وشؤون الحكم وشئون المعاملة وغيرها وبين الدين. فكل ما يفعل الناس وما يرون وما يعتقدون، وما يأخذون وما يدعون، داخل في حكم الإسلام وخاضع لسلطانه، رضى هؤلاء وسادتهم من المستعمرين والمبشرين أم أبوا، فالإسلام واضح بيّن لكل من أراد الهدى، وهو كما قلت في تلك المحاضرة"لا يرضى من متّبعيه إلا أن يأخذوه كله، ويخضعوا لجميع أحكامه، فمن أبى من الرضى ببعض أحكامه فقد أباه كله [4] ".
(1) الآية 51 من سورة النور.
(2) الآية 36 من سورة الأحزاب.
(3) ص87 - 88 من كتاب (الشرع واللغة) .
(4) ص66 من كتاب (الشرع واللغة) .