ولذلك صارحت الأمة كلها حينذاك، ورجال القانون خاصة، بالدعوة إلى وضع تشريع جديد على مبادئ الكتاب والسنة وفي حدود قواعدهما، متعاونين متساندين جميعًا. وصارحت رجال القانون بأننا سنعمل بالطريق السلمي للوصول إلى الحكم دونهم إذا أبوا أن يصغوا لهذه الدعوة الحقة لإعادة سلطان الإسلام في بلاد المسلمين، وبأني سأدعو العلماء عامة، من رجال الأزهر، ورجال مدرسة القضاء، ورجال دار العلوم"وسيستجيبون لي، وسيحملون عبء هذا العمل العظيم، وسيرفعون راية القرآن بأيديهم القوية، التي حملت مصباح العلم في أقطار الإسلام ألف عام"، وبينت لهم السبيل الذي نسلكه، أنه"السبيل الدستوري السلمي: أن نبثّ في الأمة دعوتنا، ونجاهد فيها ونجاهر بها، ثم نصاولكم عليها في الانتخاب، ونحتكم فيها إلى الأمة. ولئن فشلنا مرة فسنفوز مرارًا. بل سنجعل من إخفاقنا، إن أخفقنا في أول أمرنا، مقدمة لنجاحنا، بما سيحفز من الهمم، ويوقظ من العزم، وبأنه سيكون مُبصّرا لنا مواقع خطونا، ومواضع خطئنا، وبأن عملنا سيكون خالصا لله وفي سبيل الله" [1] .
وهأنذا قد صارحتهم بذلك منذ عشر سنين أو نحوها، وما أظنهم صارحونا بقريب مما فعلنا، فيما أعلم، إلا النفاق والمداورة، ومدح الإسلام والتظاهر بالدفاع عنه والغيرة عليه، مع تنحية أحكامه عن كل شيء في الدولة، أو تغيير أحكامه بالتأويل الكاذب، والفهم الباطل، ليقربوه من أوربة التي هم لها خاضعون، حتى يكون"إسلامًا إفرنجيًا"!!.
حتى جاءت هذه المدعية فكشفت عن الأمر كله، لتقرر علنًا وصراحة أن هذا البلد ليس بلدًا إسلاميًا، وأنه لا يجوز أن ينظر فيه إلى"المسائل الاجتماعية"زعمت!! نظرة إسلامية. وعن ذلك أعجبتني دعواها هذه الواضحة الصريحة، حتى يعرف المسلمون ماذا يراد بدينهم، من غير أقلامنا، ومن غير أشخاصنا.
وأما شأن المدعية نفسها، فيما تطلب من المحكمة أن تحكم لها به، فلا أعبأ به، ولا يهمني في قليل ولا كثير، ولا من قريب ولا من بعيد، أن يُحكم لها بما طلبت، فتدخل في مناصب القضاء، أو ترفض دعواها! لأني قلت من قبل إن ولاية الرجال أنفسهم هذا القضاء"باطلة بطلانًا أصليًا، لا يلحقه التصحيح ولا الإجازة [2] "فلا يزيده بطلانًا -في نظري- أن تتولاه امرأة، أو يتولاه شخص ما، أيا كان لونه أو صفته، فالأمر عندي فيه سواء.
أما بعد: فإنه أثناء كتابة هذه الكلمة، نظرت المحكمة هذه القضية بجلسة يوم الأربعاء 19 صفر سنة 1370 (29 نوفمبر سنة 1950) برئاسة المستشار"سعادة السيد علي السيد بك"ولخصت جريدة المصري في اليوم التالي (الخميس 20 صفر) بعض ما دار في الجلسة، فذكرت أنه حضر فيها"سيزا نبراوي وكلية الاتحاد النسائي، وأعلنت انضمام الاتحاد للمدعية طرفًا ثالثًا في القضية، ووقف محامي الحكومة وطلب برفض انضمام الاتحاد، لأنه ليست له مصلحة مباشرة في هذا، ورد رئيس الجلسة بأنه يعتقد أن الاتحاد يرى أن هذه القضية هي قضية الجنس، وأن الحكم فيها يتعلق بمستقبل المرأة المصرية عامة"، ثم ذكرت الجريدة أن القضية أُجلت لجلسة 31 يناير سنة 1951 للمرافعة.
وليس لنا أن نتحدث في قبول ما يُدْعى"الاتحاد النسائي"خصمًا ثالثًا في الدعوى أو عدم قبوله، فهذا شيء من اختصاص المحكمة وحدها، تفصل فيه بما ترى، بعد سماع المرافعة من طالب الدخول ومن المعارض فيه، ولكنا نتحدث عما يدل عليه طلب الدخول في ذاته، وأنه يؤيد كل حرف قلناه من قبل، ويكشف عما يراد بالتشريع الإسلامية كشفًا واضحًا.
(1) ص91 - 92 من كتاب (الشرع واللغة) .
(2) (كلمة الحق) رقم 2 ص15 من عدد شهر صفر سنة 1370 من مجلة (الهدى النبوي) .