فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 121

ولم يعبأ والدي رحمه الله بقضية الخطيب، ولا بمن وراءه من الكبار. بل وكّل عنه صديقه الأستاذ الكبير محمد بك أبو شادي، وكان موقف أبي في القضية أنه لن يحتكم في حكم الشرع في جريمة هذا المجرم إلى علماء الأزهر، لأن حكم المساس برسول الله صلى الله عليه وسلم ولو تعريضًا معروف للدهماء، لا ينكره جاهل أو متعنت أو غبي. وإنما نقطة البحث الصحيحة فيها عربية لغوية صرفة: آلذي صدر من الرجل الجاني المدعي أنه مجني عليه تعريض بالمقام الكريم مقام الرسول الأعظم، بدلالة اللغة والاستعمال أم ليس بتعريض؟ ولا يحتاج الفصل في هذا إلى علماء الأزهر، خشية أن يظن بهم ما هم برءاء منه من العصبية. بل هي نقطة عربية لغوية، يكفي فيها رأي بعض المستشرقين الإفرنج، ممن لا يظن بهم العصبية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هم مظنة الضدّ من ذلك.

فكان تصميم الوالد رحمه الله وعزمه، على أنه إذا وصلت القضية إلى المحكمة، وعُرضت، أن يطلب ندب خبراء مستشرقين، ليحددوا بخبرتهم في لغة العرب دلالة كلام الخطيب من الوجهة العربية: أهو تعريض أم لا؟؟ ثم يكون الفصل القضائي طبقًا لما يقرره الخبراء.

ثم دخلت الحكومة في الأمر، خشية ما يكون من وراء هذه القضية من أحداث وأخطار. وطوى بساطها قبل أن ينظرها القضاء.

ولكن الله لم يدع لهذا المجرم جرمه في الدنيا، قبل أن يجزيه جزاءه في الأخرى. فأقسم بالله: لقد رأيته بعيني رأسي، بعد بضع سنين، وبعد أن كان متعاليًا متنفخًا، مستعزًا بمن لاذ بهم من العظماء والكبراء، رأيته مهينًا ذليلًا، خادمًا على باب مسجد من مساجد القاهرة، يتلقى نعال المصلين يحفظها، في ذلة وصغار. حتى لقد خجلت أن يراني، وأنا أعرفه وهو يعرفني، لا شفقة عليه، فما كان موضعًا للشفقة، ولا شماتة فيه، فالرجل النبيل يسمو على الشماتة، ولكن لما رأيت من عبرة وموعظة.

وثق -أيها الأستاذ زكي عبد القادر- أنه لن يمسّك في هذا البلد أحد بسوء. ولكن اعتبر بمن قبلك، وانظر لما بين يديك، وأنا أمحضك النصح في الله مخلصًا، فقد ترتفع في الدنيا درجات، ولكن أحذر أن يريك الله آيته في نفسك.

ألا فلتعلم أن ليس في الإسلام أسرار، ولا كهنوت، كما تريد أن تصور العلماء الذين وعظوك. إنما هو علم واضح كالشمس، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"جئتكم بها بيضاء نقية". وإنما العلم بالتعلم، من مصادره الصافية ومنابعه العذبة، لا من كتب الإفرنج وآراء المبشرين، ولا بالإعراض والاستكبار والغرور.

ونحن نعرض على الناس أحكام الشرع صريحة بينة، نجهر بها ما استطعنا، ونقولها للكبير وللصغير على السواء، لا نداري ولا نماري. ولا نطلب منك ولا من غيرك أن يخضع أحد لقولنا عن غير دليل أو برهان.

فإن شئت أن تستفيد علمًا في هذا الأمر الذي أوقعك فيه قلمك، وأن تستيقن أنّا نصحنا لك بالحق المبين، ليس لنا من وراء ذلك مقصد أو هوى: فاقرأ كتابًا خاصًا بهذه المسألة وحدها، ألفه إمام عظيم من أئمة المسلمين، هو شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو كتاب (الصارم المسلول على شاتم الرسول) ، كتاب ضخم في 600 صفحة، طبع في مطبعة حيدر آباد بالهند سنة 1322، لم يدع قولًا في هذه المسألة إلا سرَده، ولا برهانًا إلا شرحه وبينه. ولئن قرأته لتجدنّ فيه علمًا جمًا، لم يجل بخاطرك أن ترى مثاله فيما تعرف من الكتب ومن المؤلفين.

فإن اهتديت فإنما تهتدي لنفسك، وإن ضللت فإنما تضل عليها، وما أحد منا عليك بوكيل.

تولانا الله وإياك بهدايته، وجنبنا مواقع الفتن، ومزالق الزلل. والسلام على من اتبع الهدى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت