كان (الشيخ طه حسين [1] طالبًا بالجامعة المصرية القديمة، حين كانت متشرفة برياسة(سمو الأمير فؤاد) : (حضرة صاحب الجلالة الملك فؤاد رحمه الله) . وتقرر إرساله في بعثة إلى أوربة، فأراد حضرة صاحب العظمة السلطان حسين رحمه الله أن يكرمه بعطفه ورعايته، فاستقبله في قصره استقبالًا كريمًا، وحباه هدية قيمة المغزى والمعنى.
وكان من خطباء المساجد التابعين لوزارة الأوقاف، خطيب فصيح متكلم مقتدر، هو الشيخ محمد المهدي خطيب مسجد عزبان. وكان السلطان حسين رحمه الله مواظبًا على صلاة الجمعة، في حفل فخم جليل، يحضره العلماء والوزراء والكبراء.
فصلّى الجمعة يومًا ما، بمسجد المبدولي القريب من قصر عابدين العامر. وندبت وزارة الأوقاف ذاك الخطيب لذلك اليوم. وأراد الخطيب أن يمدح عظمة السلطان، وأن ينوه بما أكرم (الشيخ طه حسين) ، وحُقّ له أن يفعل. ولكن خانته فصاحته، وغلبه حب التغالي في المدح، فزلّ زلة لم تقم له قائمة من بعدها. وأعتقد أنها كانت أخف من زلتك. إذ قال أثناء خطبته:"جاءه الأعمى، فما عبس في وجهه وما تولى"!
وكان من شهود هذه الصلاة والدي الشيخ محمد شاكر وكيل الأزهر سابقًا رحمه الله. فقام بعد الصلاة يعلن الناس في المسجد أن صلاتهم باطلة، وأمرهم أن يعيدوا صلاة الظهر، فأعادوها.
ذلك بأن الخطيب كفر بما شتم رسول الله صلى الله عليه وسلم تعريضًا لا تصريحًا. لأن الله سبحانه عتب على رسوله صلى الله عليه وسلم حين جاءه ابن أم مكتوم الأعمى، وهو يحدث بعض صناديد قريش يدعوهم إلى الإسلام، فأعرض عن الأعمى قليلًا حتى يفرغ من حديثه، فأنزل الله عتاب رسوله في هذه السورة الكريمة. ثم جاء هذا الخطيب الأحمق الجاهل، يريد أن يتملق عظمة السلطان رحمه الله، وهو عن تملقه غنيّ والحمد لله. فمدحه بما يوهم السامع أنه يريد إظهار منقبة لعظمته، بالقياس إلى ما عاتب الله عليه رسوله. وأستغفر الله من حكاية هذا. فكان صنع الخطيب المسكين تعريضًا برسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يرضى به مسلم، وفي مقدمة من ينكره السلطان نفسه.
ثم ذهب الوالد رحمه الله فورًا إلى قصر عابدين العامر، وقابل محمود شكري باشا رحمه الله، وهو له صديق حميم، وكان رئيس الديوان إذ ذاك. وطلب منه أن يرفع الأمر إلى عظمة السلطان، وأن يبلغه حكم الشرع في هذا بوجوب إعادة الصلاة التي بطلت بكفر الخطيب.
ولم يتردد شكري باشا في قبول ما حُمّل من الأمانة، وأعتقد أن عظمة السلطان لم يتردد في قبول حكم الشرع بإعادة الصلاة.
وكاد الأمر أن يقف عند هذا الحد، لأن قوانينكم هذه التي تدينون بها لا تحمي رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفه السفهاء، ولا من حمق الحمقى والأدعياء ..
ثم دخل فيه دخلاء السوء، ممن يحرصون أشد الحرص -فيما زعموا- على حقوق الأفراد، ويغلون أشد الغلو في هضم العلماء وهدمهم، حتى يشغلوهم بأنفسهم عن نصر دينهم والذب عن حوضه. وكان ذلك الرجل الخطيب متصلًا ببعض المستشارين الكبار، اتصال التابع بالمتبوع، يؤدى لهم كثيرًا من الخدمات. فأشاروا عليه بأن يرفع دعوة جنحة مباشرة على أبي، لأنه سبه سبًا علنيًا في المسجد وفي ديوان السلطان. وأشفق من لم يعلم أن ينال أبي من ذلك سوء. وثار البلد، وكثر اللغط، ووقف رجال كرام من رجال القضاء الأهلي في ذلك مواقف مشرفة، بين مسلم وقبطي، كانوا يدا واحدة في الذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنكار أي مساس ولو من بعيد بمقامه الكريم.
(1) حضرة صاحب المعالي الدكتور طه حسين باشا وزير المعارف.