فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 121

وسأحدثك: إن من يشتم رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأي كلمة لا تليق بمقامه الكريم، حكمه عند المسلمين كافة معروف، لا يخالف فيه عالم أو جاهل، بل لا يخفى على أجهل العوام: أنه مرتد خارج عن ملة الإسلام، تجري عليه أحكام المرتدين المعروفة، لا ينفرد بالجزم بذلك الحكم"أشياخ الدين"، ولا يملكون أن يلزموك"التجريد والحرمان"ولا أن يمنحوك"الرحمة والرضوان"! إلا أن تتوب إلى ربك فهو وحده (الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ) ، إن شاء غفر لك، وإن شاء غير ذلك فعل.

ثم إن لشاتم الرسول صلوات الله عليه حكمًا آخر، غير حكم الردة وآثارها: أن شاتمه يجب شرعًا قتله، على سبيل الحد والعقوبة، مسلمًا كان أو غير مسلم. أي أن هذا الحكم ليس له شأن بما في قلب المجرم من إيمان أو كفر، أو توبة أو إصرار. ذاك شأن بينه وبين ربه، وله آثاره الظاهرة إذا ثبت عند الحاكم الشرعي توبته حقًا، فعلى الحاكم عندئذ أن يرفع عنه آثار حكم الردة الظاهرة التي تدخل في سلطان الحاكم، إلا وجوب قتله، فإن الحاكم لا يستطيع رفعه عنه. ذلك أن شاتم الرسول يجب شرعًا قتله لجريمتين: جريمة الردة وجريمة الشتم في ذاتها، إذا كان المجرم مسلما. ويجب قتله لجريمة الشتم إذا كان غير مسلم. فإذا ارتفعت عقوبة الردة بالتوبة لم ترتفع عقوبة الشتم، ولا يملك أحد من الناس، كائنًا من كان، العفو عنها، إلا رسول الله وحده، وهو -صلى الله عليه وسلم- قد انتقل إلى الرفيق العلى، ولا يعيش معنا في هذه الحياة الدنيا، ولا ينوب عنه أحد في ذلك قط.

وهذا هو معنى أن شاتمه"يجب قتله على سبيل الحد والعقوبة". شأن هذه الجريمة شان سائر الجرائم التي فيها حدود، كالزنا والسرقة وشرب الخمر: يجب فيها الحد إذا ما وقعت وثبتت عند الحاكم الشرعي. لا يملك أحد من الناس بعد ذلك رفع العقوبة عن فاعلها، ولا العفو عن آثارها.

وما أريد بهذا أن استعدى سلطان القانون على هذا الكاتب. فأنا أعرف قوانينهم وقيمتها في نظر الشارع، وأعرف ما قصد إليه واضعوها حين وضعوها، وما يقصد إليه منفذوها حين يطبقونها على الأحداث بين الناس.

وإنما أقصد إلى أن أعرّف الكاتب عواقب ما جنى قلمه، وآثار إصراره واستعلائه وغروره، وأعظه بما أستطيع من بيان. إما أن يقبل الموعظة ويتوب إلى ربه، ويعتذر عما أفلت من قلمه، أو أن يصر ويركب رأسه: فذلك شأنه.

ثم أسأل هذا الكاتب الأديب، سؤالًا واضحًا محددًا، وأستحلفه بالله أن يجيبني عنه جوابًا واضحًا محددًا، وآذن له أن يقول فيّ بجوار ذلك ما يشاء:

أتُراك تستطيع أن تصف بهاتين الكلمتين النابيتين رجلًا من كبراء عصرنا هذا، من الحاكمين أو غير الحاكمين؟ أو تستطيع أن تصف بها سلفًا معروفًا من أسلاف واحد منهم، وصفًا صريحًا، في معرض مقال مدح أو مقال ذم صادقًا في وصفك أو كاذبًا؟!

بل أتستطيع أن تصف بهما صحفيًا معروفًا من إخوانك، من أنصارك أو من معارضيك؟!.

ألا تظن أنك إن فعلت دارت عليك الدائرة، وأخذك قانونكم هذا الذي تقدسونه بسيفه، أو أخذتك أقلام الصحفيين، حتى لا تجد لك مناصًا من الاعتذار والاستحذاء؟!

أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فليس في قوانينكم هذه ما يحميه من أقلام كتّابكم ونَبَواتها ونزواتها، إلا في كلمات عامة في ثنايا بعض المواد، وبعقوبات خفيفة لا تكاد تطبّق، حماية للمبشرين وعبيد المبشرين.

ولكن ثق أن الله بالمرصاد، وأنه ينتقم لرسوله بأشد مما ينتقم الناس. ولن يضير الرسول ما تقول أنت أو يقول غيرك.

وسأقص عليك من مثل ما فعلت، قصة كانت في عصرنا، ما أظنك أدركت عهدها، ولعلك سمعت بها. عسى أن يكون لك فيها موعظة وعبرة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت