أو لم يسمع مرة واحدة قول ربنا جل وعلا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ، إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ، إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) [1] .
يظن هذا الكاتب أن من تحدثوا إليه أو كتبوا، وفي مقدمتهم شيخ الأزهر، لا يفهمون كلامه، وأنه أسمى من أن توجه إليه النصيحة الإسلامية الواجبة على كل مسلم، فيمتضع بين فكيه كلمات يتعالى بها، لا يدري معناها ولا ما وراءها. وما هو بأول من فعل ذلك ممن رُبُّوا التربية الإفرنجية الملعونة، التي ضربت على بلادنا، وعلى رجالنا ونسائنا. وليس أمامهم إلا أوربة الملحدة الوثنية، التي تريد أن تخرج على كل دين وخلق، والتي هي على الرغم من إلحادها تحارب الإسلام في كل بقعة من الأرض حربًا صليبية سافرة.
فما هو إلا أن يطعنوا علماء الإسلام بالباطل وبالأكاذيب، فيشبهونهم"بالكهان في القرون الوسطى"، جهلًا منهم بتاريخ أوربة الحقيقي، وجهلًا أشد بتاريخ الإسلام وعلوم الإسلام.
كلا يا سيدي! ولا نريد أن نحتكر الدين، كما وقع في وهمك، ولا نريد أن لا يتحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد غيرنا، كما افترى قلمك. بل نحن نقول معك:"ليست في الإسلام رموز ولا طلاسم. ليست فيه قيصرية ولا بابوية"! ونزيد عليك: أن فيه أدبًا وخلقًا.
تقول لنا:"دعوا المؤمنين لإيمانهم". وهذا حق: لم نؤمر أن نشقّ على قلوب الناس فنعرف ذخائل إيمانهم أو كفرهم.
ولسنا ندخل في صميم قلبك لنعرف ما فيه من إيمان، ولا نستطيع، ولا يدخل شيخ الأزهر في صميم قلبك ليعرف ما فيه من إيمان، ولا يستطيع.
ولكن لنا أن نحكم بالظواهر، كما أمر الله وأذن.
فتعال معنا إلى كلمة سواء، لا نظلمك ولا نحيف عليك:
إنك وصفت رسول الله صلى الله عليه وسلم بكلمتين نابيتين، عن غير قصد سيء، فيما نظن بك. ولكل من هاتين الكلمتين معنى محدود في لغة العرب، هو المعنى الوضعي لكل منهما، ولكل منهما مقام تستعمل فيه عند العرب، هو مقام الذم فقط! فأيًا كان قصدك، خيرًا أم شرًا فقد أفلتتا منك.
وأنت تدعي الإيمان، ولن نجادلك في دعواك. فهات لنا ما تقول في معنى الكلمتين واستعمالهما اللغوي؟
أتريد أن تدعى لهما من المعاني شيئًا جديدًا لم يعرفه العرب؟ أم تريد نقلهما إلى معنى مجازى لا علاقة له بمعناها اللغوي الوضعي؟! ومتى تستطيع ذلك، وكيف يكون؟!
هذا -يا سيدي الكاتب الأديب- هو الموضع محددًا بدقة، ودع عنك بعد هذا التهاتر والحيدة ورمي الناس بالبهتان.
إن شتم رسول الله صلى الله عليه وسلم له حكم معروف في شريعة المسلمين، لا تستطيع التفصِّي منه، مهما علا مقامك في الدنيا، أو سما بك الغرور إلى الجوزاء. فأنت -مهما يكن من شأنك- رجل تلزمه أحكام الإسلام.
(1) الآيات 2 - 4 من سورة الحجرات.