وأما جزمه بأن الزفاف كان في السنة الثانية من الهجرة، فإنه اعتمد فيه -فيما أرى- على قول الحافظ النووي في تهذيب الأسماء (ج2 ص351) :"وبنى بها بعد الهجرة بالمدينة بعد منصرفه من بدر في شوال سنة اثنتين بنت تسع سنين، وقيل بنى بها بعد الهجرة بسبعة أشهر وهو ضعيف، وقد أوضحت ضعفه في أول شرح صحيح البخاري"هكذا يقول النووي ولكنه نسى، فإنه لم يوضح دليل ضعفه في أول شرحه للبخاري عند شرح الحديث الثاني من الصحيح. في نسختنا المخطوطة عن أصلها العتيق. وهذا الترجيح من النووي في تأريخ الزفاف خطأ صرف. والقول الذي ضعّفه بغير دليل هو الصحيح الراجح. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (ج7 ص176 من طبعة بولاق) :"وإذا ثبت أنه بنى بها في شوال من السنة الأولى من الهجرة قوى قول من قال أنه دخل بها بعد الهجرة بسبعة اشهر، وقد وهّاه النووي في تهذيبه، وليس بواه إذا عددناه من ربيع الأول، وجزمه بأن دخوله بها كان في السنة الثانية يخالف ما ثبت". والدليل على خطأ ما رجحه النووي حديث عائشة نفسها في طبقات ابن سعد (ج8 ص39 - 40) :"تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم في شوال سنة عشر من النبوة، قبل الهجرة لثلاث سنين، وأنا ابنة ست سنين، وهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقدم المدينة يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، وأعرس بي في شوال، على رأس ثمانية أشهر من المهاجَر، وكنت يوم دخل بي ابنة تسع سنين".
فالثابت من قول عائشة نفسها أن رسول الله بنى بها في السنة الأولى من الهجرة، في شوال بعد مهاجره في ربيع الأول، بسبعة أشهر على رأس الثامن. وترجيح النووي أن ذلك كان بعد غزوة بدر في السنة الثانية، ترجيح بغير دليل، والأدلة الثابتة تنفيه.
فحكاية الكاتب الجريء قولًا مرجوحا لا دليل عليه، وإتيانه به في صيغة توهم أنه القول الواحد الذي لم يروَ غيره، كأنه قضية مسلمة، إذ يقول:"وتختلف الأقوال في سن السيدة عائشة يوم زُفَّت إلى النبي عليه السلام في السنة الثانية من الهجرة". هذا الصنيع منه لن يكون من الأمانة العلمية في شيء.
ومن هذا النوع من الأمانة قوله (ص64) :"فقد جاء في بعض المواضع من طبقات ابن سعد أنها خطبت وهي في التاسعة أو السابعة". والذي في ابن سعد (ج8 ص42) :"أخبرنا محمد بن حميد العبدي حدثنا معمر عن الزهري وهشام بن عروة قالا: نكح النبي صلى الله عليه وسلم عائشة وهي ابنة تسع سنوات أو سبع". وأنا أُوقن أن الكاتب الجريء أعرف باللغة العربية من أن يخفى عليه الفرق بين معنى"نكح"وبين معنى"خطب"وأنه لن يعير لفظ إحداهما إلى لفظ الأخرى عن جهل بهما. وإنما يفعل ذاك عن عمد وهو يعرف ما يفعل.
ثم ما باله يدع الروايات الصحيحة المتواترة، ولا يستند إلا إلى الروايات الشاذة أو المنكرة التي تخالف كل رواية صحيحة؟. أمامه الروايات الصحيحة في كتاب ابن سعد وغيره عن الزهري وعن هشام بن عروة وعن غيرهما أن رسول الله تزوج عائشة وهي بنت ست سنين، وفي بعضها"سبع سنين"ودخل بها وهي بنت تسع سنين. فما بال هذه الرواية التي لا شك أن راويها أخطأ فيها أو اختصر فأخطأ من روى عنه فهم اختصاره. ولكن الكاتب الجريء يريد شيئًا معينًا، فلا عليه أن يتخيّر من الروايات أضعفها، ولا عليه أن يحرف ألفاظها إلى ما يشاء، لتصل به إلى ما يريد! ثم هو يريد أن يصور للقارئ أن الذي كان في السنة العاشرة من البعثة قبل الهجرة بثلاث سنوات هو خِطبة فقط، يوهم أنه لم يكن هناك زواج، وإن لم يصرح بنفيه، فيقول (ص63) :
"وجرت الخطبة بعد ذلك في مجراها الذي انتهى بالزواج بعد سنوات"ويقول (ص64) :"فتمت الخطبة في شوال سنة عشر من الدعوة قبل الهجرة بثلاث سنوات".