فهرس الكتاب

الصفحة 65 من 121

"ويؤيد هذا الترجيح من غير هذا الجانب أن السيدة عائشة كانت مخطوبة قبل خطبتها إلى النبي، وأن خطبة النبي كانت في نحو السنة العاشرة للدعوة .. فإما أن تكون قد خطبت لجبير بن مطعم لأنها بلغت سن الخطبة وهي في قرابة التاسعة أو العاشرة، وبعيد جدًا أن تنعقد الخطبة [1] على هذا التقدير مع افتراق الدين بين الأسرتين. وإما أن تكون قد وعدت لخطيبها وهي وليدة صغيرة كما يتفق أحيانًا بين الأسر المتآلفة، وحينئذ يكون أبو بكر مسلمًا عند ذلك، ويستبعد جدًا أن يعد بها فتى على دين الجاهلية قبل أن تتفق الأسرتان على الإسلام. فإذا كان أبو بكر -رضي الله عنه- وعد بها ذلك الوعد قبل إسلامه، فمعنى ذلك أنها ولدت قبيل الدعوة وكانت تناهز العاشرة يوم جرى حديث زواجها وخطبها النبي عليه السلام".

هكذا ينقل الكاتب الجريء ويتأول. واحفظوا عليه قبل كل شيء إصراره على أن الذي كان في السنة العاشرة للدعوة خِطبة لا زواج، وإن لم ينفِ الزواج صراحة ولكنه يوقعه في نفس القارئ ويقنعه به إقناعًا من لحن القول"يوم جرى حديث زواجها وخطبها النبي عليه السلام".

والقصة التي يشير إليها ويحاول أن يصبغها بصبغة رأيه، هي قصة مطولة في زواج النبي صلى الله عليه وسلم بسودة بنت زمْعة وبعائشة رضي الله عنهما. رواها أحمد بن حنبل في مسنده (ج6 ص210 - 211) ونقلها عنه الحافظ ابن كثير في تاريخه (البداية والنهاية ج3 ص131 - 133) وأشار إلى رواية مثلها عند البيهقي مؤيدة لإسنادها. وهذا الحديث فيه قصة وَعْد أبي بكر بابنته لمطعم ابن عدي على ابنه جبير، وخطبة النبي إياها وزواجه بها، ثم زفافها إليه بعد قدومهم المدينة. وهذا موضع الشاهد منه:"قالت أم رومان -زوج أبي بكر لخولة بنت حكيم التي كان لها فضل السعي في هذا الزواج-: إن مطعم بن عدي قد ذكرها على ابنه، ووالله ما وعد أبو بكر وعدًا قط فأخلفه، فدخل أبو بكر على مطعم بن عدي وعنده امرأته أم الصبي. فقالت: يا ابن أبي قحافة لعلك مصْبى صاحبنا تدخلُه في دينك الذي أنت عليه إن تزوج إليك؟ فقال أبو بكر للمطعم بن عدي: أقَوْلَ هذا تقول؟ قال: إنها تقول ذلك. فخرج من عنده وقد أذهب الله ما كان في نفسه من عدته التي وعده. فرجع فقال لخولة: ادعي لي رسول الله، فدعته فزوّجها إياه، وعائشة يومئذ بنت ست سنين ... قالت عائشة فقدمنا المدينة فنزلنا في بني الحارث بن الخزرج في السنح. قالت: فجاء رسول الله فدخل بيتنا، واجتمع إليه رجال من الأنصار ونساء، فجاءتني أمي وإني لفي أرجوحة بين عِذْقين ترجح بي، فأنزلتني من الأرجوحة، ولي جُميمة ففرقتها ومسحتْ وجهي بشيء من ماء، ثم أقبلت تقودني حتى وقفت بي عند الباب وإني لأنهج حتى سكن من نفسي، ثم دخلت بي، فإذا رسول الله جالس على سرير في بيتنا وعنده رجال ونساء من الأنصار، فأجلستني في حجره، ثم قالت: هؤلاء أهلك فبارك الله لك فيهم وبارك لهم فيك فوثب الرجال والنساء فخرجوا، وبني بي رسول الله في بيتنا، ما نُحرتْ عليّ جزور، ولا ذبحت عليّ شاة .. وأنا يومئذ بنت تسع سنين".

هذه هي القصة التي يحاورها الكاتب الجريء ويداورها. ويلعب بها ويعبث، يستنبط منها. وما رأينا فيما قرأنا أشد جرأة على الحق، ولا إيغالًا في الباطل، ولا لعبا بالألفاظ والمعاني، ولا تحريفًا للكلم عن مواضعه، مما صنع هذا الرجل.

(1) المعروف في شرعة المسلمين أن الخطبة ليست عقدًا، ولكن الكاتب الجريء يريد شيئًا قد كشفنا عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت