فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 121

فإنه يوهم القارئ، وإن لم يصرح الكاتب، أن الذي كان في مكة قبل الهجرة لم يكن فيه زواج، وأنه انتهى بالزواج بعد سنوات، يعني في المدينة. ولكنه لم يستطع أن يكون جريئًا كما يريد، فخشي أن يدعي أن هناك زواجًا كان بالمدينة، لئلا يكشف للناس عن فساد قوله، ووهْي أدلته. وإن هو أنكر علينا هذا فليقل لنا كلمة صريحة: متى تزوج رسول الله عائشة، أعني العقد لا الخطبة أكان ذلك قبل الهجرة حين خطبها على أبيها، أو كان بعد الهجرة حين بنى بها؟ ويَجدْ أنه حرّف عن عمد كلمة"النكاح"التي هي الزواج إلى كلمة"الخطبة". وأنه جاء إلى أبين حديث وأصرحه في الدلالة على سن عائشة، وهو القصة التي فيها سعيُ خولة بنت حكيم، فحرّفه بالتأويل المنكر، ليستدل به على ضد ما يدل عليه لفظه الصريح، أنها تزوجت بنت ست سنين وزفت بنت تسع، وأن أمها أخذتها يوم الزفاف من أرجوحة كانت تلعب بها بين النخيل. ويجد أنه ادّعى هناك من يرفع سن عائشة فوق التسع بضع سنوات، ولم يقل ذلك أحد. وأنه ادّعى أن الزفاف لم يتم إلا بعد فترة بلغت خمس سنوات في أشهر الأقوال، ولم يوجد قط قول بهذا، فضلًا عن أن يكون أشهر الأقوال، ولو يوجد قط قول بهذا، فضلًا عن أن يكون أشهر الأقوال. ويجد أنه كان يجهل حكم الزواج بين المسلمة والمشرك في صدر الإسلام، وأنه تحدث فيه بغير علم. ويجد أنه فوق هذا كله جمح به قلمه، فوصف هذه السن الصحاح بأنها"من الزور الأثيم والبهتان المبين"حين زعم أننا نجهل ما وراء روايات الأقدمين. وليت شعري بمَ يصف عمله في التحريف والتحوير والقول على رسول الله بما لم يأت عليه ببرهان، وفخر بأنه أثبته"على رغم الأقاويل والسنين"؟

ثم ليعلم أيضًا أن السنة النبوية"من قول وعمل وتقرير"مصدر عظيم للتشريع الإسلامي، وهي المصدر الثاني بعد القرآن، وهي المفسرة له المبينة، كما قال الله لنبيه: (لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) وأن هذه الأحاديث التي أنكرها بتحريفه وتأويله، وأثبت ضد ما ثبت فيها"على رغم الأقاويل والسنين"فيها دلالة على أحكام شرعية خطيرة الأثر، منها جواز تزويج الصغيرة للكبير، ومنها أن الصغيرة يلي أمر تزويجها وليّها إذ هي لا تملك أمر نفسها، ومنها أن البناء بالصغيرة جائز حلال، إلى غير ذلك من الأحكام، وأن إنكاره ما فيها إنكار لكل ما يستنبط منها بالطريق العلمي في الاستنباط، ونسبة شيء إلى رسول الله لم يثبت بالطريق الصحيح للإثبات، بل ثبت ضده ونقيضه. فإن لم يدرك هذا كله فقد أبلغناه، وما علينا من وزره من شيء.

وبعد: فما الذي دفع به إلى هذه المضايق، وأورده هذه الموارد وأقحمه؟ يظن أنه يسوغ عمله إذ يقول:"ذلك هو التقدير الراجح الذي ينفي ما تقولّه المستشرقون على النبي بصدد زواج عائشة في سن الطفولة الباكرة" (كتاب الصديقة ص66) ويقول:"وإنما عنانا أن نبطل قول القادحين في النبي أنه عليه السلام بنى ببنت صغيرة لا تصلح للزواج، وقد أبطلنا ذلك بالأدلة التي لا نكررها هنا" (الرسالة في العدد 599) . هذا عذره الظاهر لنا من كلامه. وليس لنا أن نخوض فيما وراءه.

ولكن أهذا هكذا؟ قال مستشرق، أو طعن مبشر، أو قدح ملحد، فقال أحدهم ما شاء من قدح في عمل بعينه، أفترى أنت هذا العمل معيبًا يجب التبرؤ منه، أم تراه جائزًا لا شيء فيه ولا غبار على من يعمله، وأن العائب إنما ينظر إليه من ناحية غير صحيحة، وبعين مغرضة ليست بريئة؟ أفلا ترى أنك إذا نفيت هذا العمل وأنكرته فقد رأيته معيبًا كما رأى العائب، وقادحًا كما فعل القادح، فما حاجتك إلى التستر وراءه، وماذا يمنعك أن تصرح بأن هذا العمل غير جائز، وأنك توافق في استنكاره من سبقك من المستشرقين؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت