وهذا يدل أولا على أن عروة في هذا الإسناد هو عروة بن الزبير، كما صرح بذلك في رواية أحمد وابن ماجة، خلافا لمن وهم فزعم أن عروة هنا هو عروة المزني؛ لما روى أبو داود من طريق عبد الرحمن بن مغراء، قال"حدثنا الأعمش قال حدثنا أصحاب لنا عن عروة المزني عن عائشة بهذا الحديث"وهذا ضعيف، لأن عبد الرحمن بن مغراء وإن كان من أهل الصدق إلا أن فيه ضعفًا، وقد أنكر عليه ابن المديني أحاديث يرويها عن الأعمش لا يتابعه عليها الثقات. وقال الحاكم أبو أحمد"حدث بأحاديث لا يتابع عليها"وقد خالفه في روايته هنا الثقات من أصحاب الأعمش الحفاظ كما بينا في أسانيد الحديث.
ويدل كلام أبي داود ثانيًا على أنه يرى صحة رواية حبيب عن عروة. ويؤيده أن حبيب بن أبي ثابت لم يعرف بالتدليس، بل هو ثقة حجة، وقد أدرك كثيرًا من الصحابة وسمع منهم، كابن عمر وابن عباس وأنس، وابن عمر مات سنة 74 وابن عباس سنة 68، وهما أقدم وفاة من عروة فقد توفي بعد التسعين، وحبيب مات سنة 119 وعمره 73 سنة أو أكثر.
وقال الزيلعي في نصب الراية (1/ 38) "وقد مال أبو عمر بن عبد البر إلى تصحيح هذا الحديث، فقال صححه الكوفيون وثبتوه لرواية الثقات من أئمة الحديث له؛ وحبيب لا ينكر لقاؤه عروة؛ لروايته عمن هو أكبر من عروة وأقدم موتًا. وقال في موضع آخر، لا شك أنه أدرك عروة"انتهى.
وإنما صرح من صرح من العلماء بأنه لم يسمع هذا الحديث عن عروة، تقليدًا لسفيان الثوري، وموافقة للبخاري في مذهبه.
وقد تبين مما مضى أن سفيان أرسل الكلمة إرسالا من غير دليل يؤيدها، وأن أبا داود خالفه وأثبت صحة رواية حبيب عن عروة، والبخاري شرطه في الرواية معروف، وهو شرط شديد خالفه فيه أكثر أهل العلم.
ومع كل هذا فإن حبيبًا لم ينفرد برواية هذا الحديث؛ وقد تابعه عليه هشام بن عروة عن أبيه عروة بن الزبير، فروى الدارقطني (ص50) "حدثنا أبو بكر النيسابوري نا حاجب بن سليمان نا وكيع عن هشام ابن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: قبّل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض نسائه ثم صلى ولم يتوضأ؛ ثم ضحكت"قال الدارقطني: تفرد به حاجب عن وكيع، ووهم فيه، والصواب عن وكيع بهذا الإسناد: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل وهو صائم؛ وحاجب لم يكن له كتاب، إنما كان يحدث من حفظه"وهذا إسناد صحيح لا مطعن فيه فإن النيسابوري إمام مشهور، وحاجب بن سليمان المنبجي (بفتح الميم وإسكان النون وكسر الباء الموحدة) ذكره ابن حبان في الثقات؛ وروى عنه النسابي وقال (ثقة) ولم يطعن فيه أحد من الأئمة إلا كلمة الدارقطني هذه؛ وهو تحكم منه بلا دليل، وحكم على الراوي بالخطأ من غير حجة، فإن المعنيين مختلفان: بعض الرواة روى في قبلة الصائم، وبعضهم روى في قبلة المتوضئ، فهما حديثان لا يعلل أحدهما بالآخر."
وقد تابع أبو أَويس وكيعًا على روايته عن هشام عن أبيه، فروى الدارقطني عن الحسين بن إسماعيل عن علي بن عبد العزيز الوارق"نا عاصم بن علي نا أبو أويس حدثني هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها بلغها قول ابن عمر"في القُبْلة الوضوء"فقال"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُقبِّل وهو صائم ثم لا يتوضأ"ثم علله الدارقطني بعلة غريبة فقال لا أعلم حدّث به عن عاصم بن علي هكذا غير علي ابن عبد العزيز!"