أما الحجاج بن أرطاة فإنه عندنا ثقة، ولا نطرح من حديثه إلا ما ثبت أنه دلسه أو أخطأ فيه، ومع هذا فإنه لم ينفرد به عن عمرو بن شعيب، فإن الدارقطني رواه بنحوه من طريق الأوزاعي"نا عمرو بن شعيب".
وأما زينب السهمية فهي زينب بنت محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، تفرد عنها ابن أخيها عمرو بن شعيب؛ وليس هذا بطارح روايتها بتة، فقد قال الذهبي في آخر الميزان (فصل في النسوة المجهولات، وما علمت في النساء من اتهمت ولا من تركوها كأنه يذهب إلى أن الجهالة بهن تجعلهن من المستورات المقبولات؛ إذا روى عنهن ثقة.
وهذا الإسناد بكل حال ليس أصل الباب، ولكنه شاهد جيد، أو متابعة حسنة لحديث حبيب بن أبي ثابت عن عروة.
قال الترمذي: وقد روى عن إبراهيم التيمي عن عائشة"أن النبي صلى الله عليه وسلم قبلها ولم يتوضأ"وهذا لا يصح أيضًا، ولا نعرف لإبراهيم التيمي سماعًا من عائشة.
حديث إبراهيم التيمي عن عائشة رواه أحمد (210:6) وأبو داود (1/ 69) والنسائي (1/ 39) والدارقطني (ص51) كلهم من طريق الثوري عن أبي روق عن إبراهيم التيمي عن عائشة.
قال أبو داود"هو مرسل، وإبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة شيئًا"وقال النسائي"ليس في هذا الباب أحسن من هذا الحديث وإن كان مرسلا"وقال الدارقطني: لم يروه عن إبراهيم التيمي غير أبي روق عطية بن الحرث، ولا نعلم حدث به عنه غير الثوري وأبي حنيفة، واختلف فيه فأسنده الثوري عن عائشة، وأسنده أبو حنيفة عن حفصة، وكلاهما أرسله؛ وإبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة ولا من حفصة، ولا أدرك زمانهما، وقد روى هذا الحديث معاوية بن هشام عن الثوري عن أبي روق عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن عائشة فوصل إسناده، واختلف عنه في لفظه فقال عثمان بن أبي شيبة عنه بهذا الإسناد إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل وهو صائم. وقال عنه غير عثمان إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل ولا يتوضأ"."
ومن عجب أن الدارقطني بعد هذا وصل الحديث بإسنادين عن الثوري، ثم بإسناد عن أبي حنيفة، ثم وصل رواية عثمان بن أبي شيبة في قبلة الصائم من طريق معاوية عن الثوري، ثم لم يسند الرواية التي علقها عن (غير عثمان) عن معاوية بن هشام حتى يتبين لنا إسنادها؛ ولعله يكون إسنادًا صحيحًا إلى معاوية بن هشام! فترك الحديث معلقًا، فلم يمكن الحكم عليه بشيء، وليس هذا من صنيع المنصفين، وقد بحثت عن هذا الإسناد الذي أشار إليه وعلقه فلم أجده.
وأبو روق عطية بن الحارث، قال أبو حاتم: صدوق، وذكره ابن حبان في الثقات ومعاوية بن هشام الذي نقل الدارقطني أنه وصل الحديث؛ وثقه أبو داود، وذكره ابن حبان في الثقات. ومن هذا يتبين أن رواية إبراهيم التيمي عن عائشة هنا لها أصل، وليست من الضعيف الذي يعرض عنه.
قال الترمذي، وليس يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب شي.
أما هذا الباب (باب ترك الوضوء من القبلة) فقد صح فيه شيء، وهو حديث عائشة من الطرق التي وضحناها وصححناها، ومن طرق أخرى أشرنا إليها.
وأما أصل الباب ومرجع الخلاف فهو، هل يحب الوضوء من مس المرأة؟ ذهب بعض الصحابة والتابعين ومن تبعهم من الفقهاء والمحدثين إلى الوجوب، وذهب بعض الصحابة ومن بعدهم إلى عدم الوجوب، وهو الصحيح الراجح.