فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 121

والقائمون على نصرة القول بأن اللمس ينقض؛ والتعصب له؛ والذب عنه؛ من الفقهاء والمحدثين: هم علماء الشافعية، والشافعي نفسه رضي الله عنه ذهب إلى هذا المذهب وقال به، ولكنه -فيما يبدو لي من كلامه- يفسر الآية بذلك على شيء من الحذر، وكأنه يتحرج من الجزم به، إذ لم يصل إليه حديث صحيح في الباب، فإنه قال في الأم (12:1) بعد ذكر آية المائدة"فأشبه أن يكون أوجب الوضوء من الغائط وأوجبه من الملامسة، وإنما ذكرها موصولة بالغائط بعد ذكر الجنابة، فأشبهت الملامسة أن تكون اللمس باليد، والقبلة غير الجنابة. أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن أبيه قال: قُبْلة الرجل امرأته وحبسها بيده من الملامسة، فمن قبّل امرأته أو جسها بيده فعليه الوضوء. قال الشافعي: وبلغنا عن ابن مسعود قريب من معنى قول ابن عمر"

فهذا التعبير من الشافعي، وهو دقيق العبارة، ولا يلقى الكلام جزافًا، ولا يرسل القول إرسالا، يقول [فأشبهت الملامسة أن تكون اللمس باليد] قد نفهم منه الحذر والتردد لأنه لم يجد عنده في الباب حديثًا مرفوعًا صحيحًا، وإنما وجد أثرًا صحيحًا عن ابن عمر، ووجد نحوه عن ابن مسعود، ووجد الآية تحتمل معنى قولهما، فاحتاط لذلك وفسر الآية على ما يوافق ما لديه من الأثر عن الصحابة.

ومما يؤيد ما ذهبت إليه في معنى كلام الشافعي أن ابن رشد بعد نقل حديث حبيب عن عروة عن عائشة [المذكور في هذا الباب] نقل عن ابن عبد البر أنه مال إلى تصحيحه، وأنه قال: وروى هذا الحديث أيضًا من طريق معبد بن نباتة، وقال الشافعي إن ثبت حديث معبد ابن نباتة في القُبْلة لم أر فيها ولا في اللمس وضوءًا.

وأن الحافظ ابن حجر في التلخيص (ص44) نقل نحو ذلك عن الشافعي فقال: قال الشافعي، روى معبد بن نباتة عن محمد بن عمرو بن عطاء عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يُقبِّل ولا يتوضأ. وقال لا أعرف حال معبد؛ فإن كان ثقة فالحجة فيما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم.

فهذا نقل مشرقي، وقبله نقل مغربي؛ كلاهما عن الشافعي، أنه لو صح عنده حديث عائشة لذهب إليه ولم يقل بنقض الوضوء من اللمس، وهو يدل على أنه يرى أن تفسير اللمس بما فسره به ليس على سبيل الجزم والقطع. أما نحن وقد أثبتنا صحة الحديث فلا ينبغي لنا أن نتردد في تفسير الآية التفسير الصحيح، أن اللمس كناية عن الجماع، ويجب علينا أن نأخذ بالحديث الصحيح، أن القبلة -وهي أقوى من اللمس المجرد- لا تنقض الوضوء.

وهذا الحافظ البيهقي، وهو ناصر مذهب الشافعي، وهو المتعصب له حقًا؛ يذكر بعض أسانيد حديث عائشة، ويعللها بما يراه علة لها؛ ثم يقول، والحديث الصحيح من عائشة في قبلة الصائم، فحمله الضعفاء من الرواة على ترك الوضوء منها، ولو صح إسناده لقلنا به إن شاء الله تعالى -فهو أيضًا لا يقطع بأن المراد باللمس في الآية المعنى الحقيقي للكلمة، لأنه يصرح بأنه لو صح حديث عائشة لقال به، ولو قال به لاضطره ذلك إلى تفسير اللمس بالمعنى المجازي الصحيح في تفسيرها.

(فائدة) ورد في الباب أيضًا حديثان صحيحان.

الأول رواه الشيخان وغيرهما من طريق مالك عن أبي النضر عن أبي سلمة عن عائشة قالت"كنت أنام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي، وإذا قام بسطتهما. قالت والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح" (فتح الباري 1/ 413/485) ، (1/ 145) قال الحافظ ابن حجر وقد استدل بقولها غمزني على أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء. وتعقب باحتمال الحائل، أو بالخصوصية.

ومن البين الواضح أن هذا التعقب لا قيمة له، بل هو باطل، لأن الخصوصية لا تثبت إلا بدليل صريح، واحتمال الحائل لا يفكر فيه إلا متعصب!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت