6 -غاية ما في الأمر أنه قبل صدور هذا المرسوم كان العمل في القضاء جاريًا على أقوال بعض الفقهاء، الذين أجازوا (الوقف الأهلي) ، على اختلاف آرائهم في التفصيلات والفروع: فكان في هذا العمل شبهة الصحة، لاستناده إلى اجتهاد مجتهدين، أو إلى أقوال يظن أنها مبنية على اجتهاد، وإن كان ظاهر الخطأ. والعمل في مواطن الاجتهاد ممكن إجازته، إذا وافق اجتهادًا له سند، حتى لو كان سنده ضعيفًا، وليس هذا موضع بحثنا الآن.
7 -فإذا ما صدر المرسوم بقانون بعد ذلك، بأنه (يعتبر منتهيًا كل وقف لا يكون مصرفه في الحال خالصًا لجهة من جهات البر) إلى آخر نص المادة الثانية منه، صدر مقررًا للحكم الشرعي الصحيح الذي تؤيده الدلائل. وأزال عن الأعيان الموقوفة على غير الخيرات (صفة الوقف) ، فزالت هذه الصفة وما تعلق بها من شروط، شرطها الواقف، أو شرطها غيره ممن ملكه الواقف ذلك، ومن تفسير للشروط أو تقييد أو إطلاق، صدر به قضاء قاض في حدود ما كان سائغًا من قبل.
8 -فإذا زالت هذه الصفة (صفة الوقف) بشروطها، لم يكن من حق صاحب السلطان وواضع المرسوم بقانون أن يعود إليها في الوقت الذي أزالها فيه، ولم يكن من حقه أن يمحو الصفة التي كانت قائمة ويُبقى آثارها التي لم تكن إلا بوجودها. لأن هذه الآثار -ومنها شرط الواقف في الاستحقاق والحرمان- إنما ترتّبت على الأعيان بحكم الصفة التي أُسبغت عليها، وهي (صفة الوقف) . إذ لم يكن من حقوق مالك الأعيان أن يشرط هذه الشروط، صحيحة كانت أم باطلة، ويضع هذه الأوضاع، مقيدًا بها الأعيان والتصرف فيها وفي ريعها، بوصفه مالكًا فقط. إنما جاءت له هذه الحقوق -وإن كانت موضع نزاع طويل- تبعًا للصفة التي أجاز الفقهاء أن يضيفها على الأعيان.
9 -بل إن هذه الأوقاف -أوقاف الجنف والإثم- لم يلجأ إليها مرتكبوها أو أكثرهم، بما فيها من المنكرات والمظالم، إلا قصدًا إلى التهرب من فرائض الله وحدوده، في الميراث والوصية، وعودًا إلى شعائر الجاهلية الأولى، التي قضى الله عليها في شريعته، بعدله ورحمته.
10 -والأصول البديهية الواضحة في الشريعة: أن لا تحبس عين من الأعيان عن التداول وحرية التصرف في حدود العقود التي أذن الله بها، من بيع أو هبة أو وصية أو نحو ذلك، أو في حدود الأسباب الناقلة للملكية، كالميراث والغنيمة ونحوهما.
11 -ولم نجد في أدلة الشريعة قط شيئًا يحبس العين عن هذه التصرفات، إلا شيئًا واحدًا، هو حبسها في الخيرات والقربات:
"احبس أصلها، وتصدق بثمرتها".
"إن خالدًا قد حبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله".
"من احتبس فرسًا في سبيل الله".
12 -أما الحبس على غير هذا الوجه، وجه الصدقة الجارية، والتبرع طاعة لله وقربى، فما ورد في الشريعة قط، ولم نجد له دليلا من كتاب أو سنة صحيحة. ولا يستطيع باحث أن يستخرج له دليلا يعتمد عليه، اللهم إلا التعنت والتكلف، وتحميل الألفاظ أكثر مما تحتمل، وإلا قياسات باطلة، مبنية على قواعد منهارة، قياس العمل الباطل على العمل الصحيح، وقياس الإثم والعدوان على البر والتقرب إلى الله.
13 -وإلا فمن ذا الذي يسوّي بين حرمان البنات من نصيبهن الذي حده الله في كتابه وأمر به، وبين الصدقة على ذوي القربى والمساكين؟! أو بين حرمان ابن لم يرض عنه الواقف الآثم، أو زوجه الطامعة اللاعبة، أو صاحبته الغانية الآنسة -مثلا- وبين حبس الأدراع والأفراس في سبيل الله؟!
من ذا يقيس سبيل الشيطان على سبيل الرحمن، إلا من سفه نفسه وجانبه التوفيق؟!.