14 -لسنا نتجنى على أحد. ولكنا لم نؤمر بتقليد فقيه أخطأ في قياسه أو استنباطه، حسن النية حسن القصد في الأكثر الأغلب. إنما أمرنا أن نطيع الله ورسوله فقط، وأن نقف عند حدود الله. بل لم يؤذن لنا أن نطيع أحدًا كائنًا من كان في معصية الله. ولن يكون أمر الآمر بالمعصية -مهما يكن من سلطانه- عذرًا للمأمور.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"السمع والطاعة على المرء فيما أحب أو كره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أُمِر بمعصية فلا سمع ولا طاعة". حديث صحيح رواه الإمام أحمد في مسنده، ورواه البخاري ومسلم وغيرهما. انظر (المسند، بشرح أحمد محمد شاكر ج6 ص301 - 306) .
15 -والأصل في القاضي أن يكون مجتهدًا، غير مقيد بنص معين، إلا نصوص الكتاب والسنة، والاستنباط الصحيح منهما.
ومعنى الاجتهاد معروف. والقول في وجوب الاجتهاد ومنع التقليد طويل المدى، لا يحتمله المقام الآن. ولكنا نجزم بأنه صار من البديهيات، بعد النهضة الفكرية التي سرت في العالم الإسلامي.
16 -وليس من شرط الاجتهاد أن يكون عامًا في كل المسائل والفروع. بل يجوز أن يكون جزئيًا في مسائل معينة، يبذل الباحث فيها جهده على أصول الكتاب والسنة، ليصل إلى ما يستطيع من الثّلج والطمأنينة إلى أنه الحق، مع حسن القصد وسلامة النية والإخلاص لله، والمعرفة بأصول التشريع الإسلامي والقواعد العامة التي لا تكون موضع خلاف بين علماء الإسلام وأئمته.
وهذا الاجتهاد الجزئي ميسور الآن، ممهدة سبله. بل هو أقرب يسرًا من الأعصر الماضية، بما ذاع من دواوين العلم، في التفسير والحديث، والفقه والأصول، وما إلى ذلك من المقاصد والمسائل.
17 -وأنتم الآن -يا حضرات المستشارين- في مقام الاجتهاد، فيما طُرح بين أيديكم من هذا البحث الدقيق- في قضية هي قضية الجيل- تبذلون الجهد والوسع، لتعرّف حكم الشريعة الصحيح، لتقولوا فيه كلمة الحق، وتفصلوا فيه القول الفصل.
18 -ولا يكاد يخالجني شك في أنكم بالغوه إن شاء الله، بما أنعم الله عليكم من العلم، وبما بين أيديكم من وسائل المعرفة، وبما يعينكم إخوان كرام، من طرفي الخصومة، يكشفون عن وجهات النظر، ونواحي الآراء، ومقارعة الحجة بالحجة.
19 -والأصل في القاضي المجتهد أن لا يقيّد بقول لإمام معين، أو رأي محدود لمجتهد. ولكن تعاورت على بلاد الإسلام وعلى علماء المسلمين أحداث، في فترات من الضعف، ألجأت الولاة إلى تقييد القضاة بالحكم بمذاهب معينة، مختلفة باختلاف النواحي وباختلاف العصور. حتى وصلنا إلى ما وجدنا في عصرنا هذا في بلدنا هذا، تقييد القاضي بالحكم بالقول الراجح من مذهب أبي حنيفة، ثم استحداث قوانين موضوعية، اقتُبست من آراء لا صلة لها بالاجتهاد ولا بالتقليد. وليس من موضوعنا تفصيل البحث في هذه الناحية الآن.
20 -إنما الذي يتصل بموضوعنا منه: أن الأوقاف بقيت خاضعة لأحكام الشريعة، مقيدة بالحكم فيها بمذهب معين، هو القول الراجح من مذهب أبي حنيفة. ثم وُضع قانون موضوعي في بعض مسائلها، اقتبس من مذاهب الأئمة الأربعة وغيرهم، وهو قانون الوقف (رقم 48 لسنة 1946) .
ثم زال هذا وذاك، فيما يتعلق بالوقف الأهلي (على غير جهات البر) ، بصدور المرسوم بقانون (180 لسنة 1952) .