الفرق بين سيّد قطب ومحمد بن عبد الوهّاب يكمن في أن: الإمام محمد بدأ بدراسة العلوم الشرعية، والشيخ سيّد اتجه في بدايته للأدب والعلوم العصرية والسياسة، ثم التقى مع الشيخ محمد في تعلم العلوم الشرعية بجهد كبير وعلى كِبَر، والإمام سّيد - رحمه الله - درس الأفكار الشرقية والغربية وتصدى فكريًا لمخططات أعداء الأمة من الإنجليز والفرنسيين والأمريكان وغيرهم، بينما الشيخ محمد اتجه لمجاهدة الصوفية القبورية والرافضة المبتدعة الذين كانوا في بيئته، وهذا هو الغالب ..
كلاهما ركّز على ما وجد في محيطه من أخطار تُحدق بالأمة، وكلاهما وجد من يحاربه في محيطه ومن الخارج، ولكن الإمام محمد سخّر الله له بعض الأمراء ليحملوا الدعوة ويقوموا بسيوفهم لنشرها، والإمام سيّد رحمه الله حمل عبء الدعوة بمفرده وواجه ما واجه بمفرده، ولم تنتشر دعوته إلا بعد أن شُنق رحمه الله، والغريب أن دعوته انتشرت في وقت قصير وبسرعة عجيبة وعلى مستوى عالمي رغم محاربة الحكومات العربية والأجنبية لها بعكس دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب التي ظلت حبيسة نجد لفترة طويلة!!
ومن العجيب أن ترى أناس يُستنكرون المقارنة بين الرجلين!! وهذا يحدث غالبًا من الغالين في الطرفين!! ويدعي هؤلاء الغلاة أن الدعوتين متناقضتين لا يصح المقارنة بينهما!! وهذا جهل كبير منهم: إما بالدعوتين، أو كلٌّ بالدعوة الأخرى، فكلى الإمامين دعا إلى إقامة حكم إسلامي صحيح، وكلاهما دعا إلى إقامة ذلك بالسيف، وكلاهما أراد إحداث تغيير جذري في معتقدات الناس المخالفة للحق، وكلاهما دعا للثورة على الواقع، والشيخ محمد بن عبد الوهّاب قاتل بالسيف، وخرج على ولاة الأمر بالسيف، ودعا الناس إلى ذلك، بل خرج على الخلافة الإسلامية الرسمية وعلى خليفة المسلمين العثماني مما اضطر هذا الأخير لإصدار أوامره لوالي مصر بالقضاء على الدعوة [1] ، أما الإمام سيّد فقد حارب بقلمه وكلمته وحرّض على الجهاد في سبيل الله ..
(1) 1 - وكان أئمة الدعوة يعلنون كفر الدولة العثمانية، فهذا الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف رحمه الله تعالى (ت 1339 هـ) : لما سئل عن من لم يكفر الدولة - أي العثمانية - ومن جرهم على المسلمين واختار ولايتهم وأنه يلزمه الجهاد معهم، والآخر لا يرى ذلك كله بل الدولة ومن جرهم بغاة ولا يحل منهم إلا ما يحل من البغاة وإن ما يغنم منهم من الأعراب حرام، فأجاب:"من لم يعرف كفر الدولة ولم يفرق بينهم وبين البغاة من المسلمين لم يعرف معنى لا إله إلا الله، فإن اعتقد مع ذلك أن الدولة مسلمون فهو أشد وأعظم وهذا هو الشك في كفر من كفر بالله وأِشرك به، ومن جرهم وأعانهم على المسلمين بأي إعانة فهي ردة صريحة .."أ. هـ (الدرر السنية: 8/ 242) .. ومثل هذا كثير في كتاب الدرر وفي كتب الولاء والبراء لأئمة الدعوة.