فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 117

الناظر في حياة سيد رحمه الله يرى فيه: الأديب الألمعي، والناقد الأدبي، والشاعر الرقيق، والمفكّر الحر!! كان هذا في بداية حياته [1] ، ثم دخل سيّد عالم القرآن من باب تخصصه، وأراد أن يُظهر إعجاز القرآن الأدبي وتفوقه على كل عمل بشري، وذلك أنه في قرارة نفسه مُسلِّم لهذا الكتاب المُعجِز الفصيح المُبين: شأنه في ذلك شأن أبناء الأرياف المصريين المتدينين فطرة، فبعد أن درس أدب الأدباء وتعرّف على شعر الشعراء وجد أن هذا كله لا يساوي قطرة في بحر آي الله، وكأنه بتسلّحه بكتاب ربّه أراد أن يقهر جميع خصومه، فقهره القرآن وأمسك بتلابيب قلبه وقال له"أما آن لك أن تسلِّم يا ابن قطب"!!

ليس مثل سيّد يجهل القرآن وإعجازه، وليس مثل سيّد تغيب عنه الحِكَم البليغة العظيمة في أحكام هذا الكتاب العظيم، وبينما هو ينبش في آي القرآن لسيتخرج درره البيانية ويستلهم بلاغاته وتصويراته الفنّيّة: أضاء القرآن قلبه وملك عليه جوارحه، فكانت رحلته مع القرآن من أعجب الرحلات وأمتعها وأنفعها لنفسه وللمسلمين من بعده ..

زاد الأديب تعمّقًا، وزاد الناقد نظرًا، وزاد الشاعر رقةً وعذوبةً ورهفة، وأدرك سيد أن الحياة ليست محصورة في الأمالي والدوايين والمعاجم والمقامات، وأن وراء هذه الأكمة حياة حقيقية: الواقع فيها أغرب من الخيال، والصحيح فيها سقيم، والحق فيها مطموس، والباطل فيها مستأسد!!

(1) - هذا عدا تفاعله الكبير مع قضايا أمته والقضايا الدولية، وقد كتب الكثير عن قضايا الأمة في مقالاته المنثورة في المجلات، ومن أمثلة ذلك قصيدة نشرت في عام 1931هـ بعنوان"إلى البلاد الشقيقة"مخاطبًا أهل فلسطين:

تبغون الاستقلال؟ تلك طريقه ... ولقد أخذتم بالطريق فيمّموا

وهو الجهاد حميّة جشّامة ... ما إن تخاف من الرّدى أو تحجم

إن الخلود لمن يطيق ميسَّر ... فليمض طلّاب الخلود ويُقدموا

وطن يُقسَّم للدّخيل هدية ... فلا يُحجم بعد ذلك مُحجم؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت