لقد كان سيّد رحمه الله يُطلق على مرحلة ما قبل نضوجه الفكري"مرحلة الجاهلية"، ويقصد بها بُعده عن الوحي القرآني وانشغاله بسفاهات وتفاها الشرق والغرب الكفري، وهذا التعبير كان منه لوصف حاله وتيهه بين ركام الأفكار المستوردة، ثم أعلن عن إسلامه الفكري - بعد أن بلغ مبلغ الرجال - وبعده بقليل"إسلامه العملي"تاركًا ورائه الجاهلية، موقنا بقول رسول رب البرية صلى الله عليه وسلم"الإسلام يجب ما قبله" [1] ، ولكنه لم يتوقف عند هذا الحديث، وكأنه أراد أن يستدرك ما فاته من الخير فأعلن الحرب على كل مسخ قاده- وملايين المسلمين معه - إلى ذلك التيه بسلاح القرآن الذي في حده حتف كل باطل وفي نصله شفاء كل داء: سواء كان الباطل في الأفراد أو المجتمعات أو الحكومات أو التكتلات، وسواء كان فكرًا أو عملا ..
لقد خاض سيد في شبابه معارك أدبية كثيرة ضد خصوم كبار في مجال الأدب لم يُهزم فيها، لأن طبيعة سيد لا تقبل الهزيمة، وهذه العزيمة وهذا الإصرار جعله رمزًا استثنائيًا في حقبة صعبة جدًا من تاريخ البشرية عامة، والتاريخ الإسلامي خاصة ..
لما بدأ سيّد رحمه الله يكتب عن الإسلام ويفنّد مزاعم خصومه، كان في نفس الوقت يهاجم ويرمي ما يخالفه بسهام النقد الفكري وبروح أدبية عالية نالت إعجاب الجميع، وكان الناس ينتظرون مقالاته التي تنزل تباعًا في مجلات عدّة لتزرع فيهم روح الإستعلاء القرآني على قاعدة {وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} ، وكان الناس يعجبون من ثقة سيّد الشديدة بتراث الأمة الذي كاد أن يضيع تحت آكام الحزن وركام الإنهزامية والهوان المخيّم على المسلمين في تلك الحقبة التي سادت فيها النظريات الشرقية والغربية، فعمل سيّد على بعث الحقيقة الإسلامية الناصعة في قلوب المسلمين بقوّة الحجة والبيان ليَسمع العالم كلّه دويّ قول الواحد القهّار هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ
(1) - صححه الألباني في إرواء الغليل ..