نحن، وإن كنا نظن بأن المقياس ليس هذه الشهادات التي تصدرها الجامعات بعد أربع سنوات دراسة، إلا أننا نحكم على ما أنتجه سيّد قطب رحمه الله من مؤلفات علمية وفكرية أبهرت العلماء وأهل الإختصاص بعد أن قرأ أربعين سنة في شتى المعارف الإنسانية، وخمسة وعشرون سنة دراسة متأنية فاحصة دقيقة واعية للقرآن الكريم بنظرة أدبية سياسية اجتماعية تحليلية تفسيرية عقدية حية بكل ما تحمل كلمة الحياة من معاني، هذا مع ما أُعطي سيّد رحمه الله من ذكاء وبعد نظر وتذوّق وحسّ مرهف، وما كابده من معاناة وما عاش من تجربة وما نال من خبرة في الحياة، فأخرج لنا سيّد - بفضل الله - هذا النتاج العملي الغزير الجليل [1] ، ثم يأتي أحدنا ويحكم عليه بعدها بعدم"العلم"!! عن أي علم نتكلّم إن لم يكن: فهمًا لكتاب الله وعملًا به وموتًا من أجله!!
أليس العلم هو"حصول صورة الشيء في العقل"أو"إدراك الشيء على ما هو به"كما قال الشيخ زكريا الأنصاري رحمه الله في الحدود الأنيقة، وفي إحكام الفصول"معرفة المعلوم على ما هو به عليه"أو هو ما قاله المناوي في التوقيف"الإعتقاد الجازم الثابت المطابق للواقع"، وما قال الرازي في حلية الفقهاء"علمتُ الشيء وعلمتُ به، وهو عرفانُكَهُ على ما به"، فمن عرَف الشيء على حقيقته فهو عالم به، وهل يُنكر أحد بأن صاحب الظلال أدرك وعرف حقيقة الدين وحقيقة مراد الله في كتابه!! وهل ينفي أحد معرفة صاحب الظلال بتفسير كتاب الله عز وجل!! أما إن كان المقصود"بالعالم"وصوله إلى درجة المجتهد المطلق، فهذا لم يزعمه أحد لسيد رحمه الله، ولكن ليأتنا أي رجل اليوم ويدعي أنه وصل لهذه الدرجة!! فلا يبقى إلا المقلدون، وهم كل علماء هذا الزمان ..
إن للعلم الشرعي درجات نستطيع حصرها في:
(1) - أخبر سيد قطب رحمه الله عن نفسه أنه كان يقرأ عشر ساعات في اليوم، معنى ذلك أنه قرأ أكثر من تسعين ألف ساعة في القرآن وعلومه وتفاسير العلماء، ولو حذفنا نصف هذا الوقت احتياطًا، فكم تفسيرًا أو كتابًا في علوم القرآن قرأه سيد رحمه الله في خمسة وأربعين ألف ساعة!!