فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 117

إن قراءة سيّد للقرآن ليست كقراءة غيره، ودراسة سيد لكتب العلماء ليست كدراسة غيره، فسيّد أوتي فهمًا ودقة في النظر وتعمّقا قلّما يؤتاه إنسان، ومما يدل على ذلك ما رواه عن نفسه في كتابه الجميل"طفل من القرية"حيث نقل لنا قصة طريفة ذات معانٍِ كبيرة، مفادها: أن عالمًا أزهريًا زار قريتهم وأخذ يقرأ على مسامع العوام في المسجد رزمة من تفسير الزمخشري!! وكان سيّد وقتها في العاشرة من العمر، فلما تلى هذا العالم قول الله تعالى في سورة الكهف {ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا ... } رفع ابن العشر سنوات يده قائلًا:"يا سِيدْنا الشيخ، لماذا حُذفت الياء في {نَبْغِ} بدون حرفٍ جازم"!! فأين طلاب جامعاتنا اليوم من فَهْم ابن العاشرة هذا!!

لقد حفظ سيّد القرآن بمجهود وإرادة فردية: شرع فيه وهو ابن ثمان وأتمه وهو ابن عشر سنوات، وهذه همّة النوابغ من أهل الشأن!! وتثقّف ثقافة أدبية فكرية - أكثرها ذاتية - حتى أصبح من كبار النقّاد في شبابه وفي زمن قياسي قلّما يُعرف بين الأدباء، ثم اتّجه للقرآن فأخرج كنوزًا ودرر أبهرت الجهابذة من العلماء حتى قال الأديب الألمعي الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله عن كتاب التصوير الفني لسيّد رحمه الله"كتاب التصوير الفني في القرآن فتح والله جديد، وسيد قطب وقع علي كنز من كنوز القرآن، كأنّ الله ادخره له فلم يعط مفتاحه لأحد قبله، حتى جاء هو ففتحه ..." [1] ، فكيف مَن تكون هذه بعض صفاته لا يكون عالمًا!! وما أدرانا أن سيدًا رحمه الله لم يُثني ركبتيه في جوامع مصر يسمع دروس العلماء التي لعله يعي أكثرها أكثر ممن يُلقيها"فرب مبلغ أوعى من سامع"، وكم هم الذين يحفظون ويسمعون ولكن لا يعون، وإنما أوتيت الأمة من قلة الفهم والعمل، وها هي الأعداد الغفيرة من طلبة الماجستير والدكتوراة يتخرجون من المعاهد

(1) - إن لم تكن هذه مبالغة من الشيخ الطنطاوي رحمه الله، فكتاب الظلال أعظم بكثير واغزر فائدة من كتاب التصوير الفني الذي كتبه سيّد في بداية مشواره مع القرآن ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت