فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 59

ولأنَّ مقاتلي العصابات دائمًا أقل من عدوهم في العدد والعدة، فإنَّهم يضربون العدوّ في نقاط الضعف، ويتجنبون نقاط القوة، فيجد العدو المتغطرس أن القوة التي حشدها وركن إليها لا تساوي شيئًا، لأنه لا يستطيع استخدامها بعد أن حيّدها رجال العصابات.

لم يخرج أبو بصير إلى ساحة قريشٍ ويطلب من يبارز منهم، وبمعنى أدقّ لم يحاول أبو بصير أن يحاربهم حربًا نظاميَّةً، بحيث يجمعون قوتهم ويواجههم بقوته، وهذا ما تسعى جميع الحكومات التي تواجه حرب عصابات إلى استدراج المجاهدين إليه، بل اختار أبو بصير بنفسه المكان، واختار ميدان المعركة، واختار العناصر التي يرغب في مواجهتها، واختار الأهداف التي يسعى إليها، يختار الوقت والمكان والهدف وطريقة الهجوم بنفسه، بحيث يفقد العدو جميع العناصر المؤثرة في المعركة.

يختار الهدف الأكثر نكاية في العدو، والأقل تكلفة عنده، والذي يسهل عليه الوصول إليه دون أن يتمكن العدو من شيء أكثر من أن يُفجع بالمصيبة.

كانت حرب عصابات جهاديةً، وكان أبو بصير ومن معه عصابة مؤمنة تُقاتل في سبيل الله، جاء في البخاري في قصة أبي بصير: فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة. أقام أبو بصير حرب عصابات على أرفع مستويات العصابات، فكان لا يدع للمشركين تجارة تمرّ إلا استهدفها، وهكذا استطاع الضعيف أن يقيم حصارًا محكمًا على القوي، دون أن يطوق مكة عسكريًا، أو أن يعرف المشركون له مكانًا محددًا يقصدونه فيه ويجهزون عليه فيتخلصوا منه.

كما هي العادة في كل حرب عصابات للمجاهدين في العالم، تتركز الضربات على القوافل التي تأتي بالإمدادات والغذاء، وعلى المراكز غير المحصنة للعدو، أو المحصنة من حيث تكون التحصينات أضعف، وتجاوزها أسهل، وقد تركزت حرب أبي بصير على القوافل الاقتصادية لقريش.

وحرب العصابات لا تحتاج إلى كثير من الأسلحة والعدة والعتاد والعدد، فقد بدأها أبو بصير وهو رجل واحد، لم يقل له أحد يومئذ، ومن أنت حتى تقاتل قريشًا وأنت واحد؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت