وهذا قول معلوم بطلانه وفساده، لتضمنه تحليل ما حرم الله تعالى على العباد، وإطلاق الحرية للمرء في أن يمارس ما يشاء ويهوى من المعاصي والموبقات المحرمة شرعًا.
فالمرء في نظر الإسلام حريته مستمدة من الإسلام، وهي مقيدة بقيود الشرع وما يملي عليه من التزامات وواجبات وسنن، فليس للمسلم - إن أراد البقاء في دائرة الإسلام أو أن يسمى مسلمًا - الحرية في أن يتجاوز حدود الإسلام وآدابه وتعاليمه، ويرتكب ما يشاء من المحظورات، ثم بعد ذلك يصبغ على تصرفه هذا الشرعية أو القانونية، أو أنه حقه الشخصي، ومن خصوصياته التي لا حق لأحدٍ أن ينكرها عليه، ويقول بعد ذلك أنه مسلم، يتدين بدين الإسلام، فالإسلام وهذا الشأن لا يجتمعان أبدًا!
فمن لوازم الإيمان وشروطه التحاكم إلى شرع الله تعالى في كل كبيرة وصغيرة، وفي الأمور العامة والخاصة، والرضى بحكمه، والاستسلام له ظاهرًا وباطنًا من دون أدنى تردد أو تعقيب، ولا بد أن يتبع ذلك كله انتفاء مطلق الحرج والضيف، كما قال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا} [النساء: 65] .
قال ابن القيم رحمه الله في كتابه"التبيان في أقسام القرآن": (أقسم سبحانه بنفسه المقدسة قسمًا مؤكدًا بالنفي قبله عدم إيمان الخلق حتى يحكموا رسوله في كل ما شجر بينهم من الأصول والفروع، وأحكام الشرع وأحكام المعاد وسائر الصفات وغيرها، ولم يثبت لهم الإيمان بمجرد هذا التحكيم حتى ينتفي عنهم الحرج وهو ضيق الصدر، وتنشرح صدورهم لحكمه كل الانشراح وتنفسح له كل الانفساح وتقبله كل القبول، ولم يثبت لهم الإيمان بذلك أيضًا حتى ينضاف إليه مقابل حكمه بالرضى والتسليم، وعدم المنازعة وانتفاء المعارضة والاعتراض) .
7 -تقوم الديمقراطية على مبدأ حرية تشكيل التجمعات والأحزاب السياسية وغيرها، أيًا كانت عقيدة وأفكار وأخلاقيات هذه الأحزاب والجماعات! وهذا مبدأ باطل شرعًا، وذلك من أوجه:
منها، يتضمن الإقرار والاعتراف - طوعًا من غير إكراه - بشرعية الأحزاب والجماعات بكل اتجاهاتها الكفرية والشركية، وأن لها الحق في الوجود، وفي نشر باطلها، وفسادها وكفرها في البلاد وبين العباد، وهذا مغاير ومناقض لكثير من النصوص الشرعية التي تثبت أن الأصل في التعامل مع المنكر والكفر إنكاره وتغييره، وليس إقراره والاعتراف بشرعيته، قال تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} [الأنفال: 39] .
ومنها، أن هذا الاعتراف الطوعي بشرعية الأحزاب الكافرة، يتضمن الرضى - وإن لم يصرح بفيه أنه يرضى بحريتها - والرضى بالكفر كفر، قال تعالى: {وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يُكفر بها ويُستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذًا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعًا} [النساء: 140] .
ومنها، أن من لوازم الاعتراف بهذا المبدأ، السماح للأحزاب الباطلة بكل اتجاهاتها بأن تبث كفرها وباطلها، وأن تغرق المجتمع بجميع صنوف الفساد والفتن والأهواء، فنعينهم بذلك على هلاك ودمار البلاد والعباد.
وفي الحديث، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم - كما في صحيح البخاري - أنه قال: (مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قومٍ استهموا - أي اقترعوا - على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلَها، فكان الذي في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذِ مَن فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجَوا ونجوا جميعًا) .
ومنها، أن هذا المبدأ وهو حرية تشكيل الأحزاب السياسية وغيرها ... يترتب عليه تفريق كلمة الأمة، وتشتيت ولاءات أبنائها في أحزاب وتجمعات متنافرة متباغضة متدابرة، ما أنزل الله بها من سلطان، وهذا مغاير لقوله تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا} [آل عمران: 103] ، ولقوله تعالى: {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم} [الأنفال: 46] .
8 -تقوم الديمقراطية على مبدأ اعتبار موقف الأكثرية، وتبنِّي ما تجتمع عليه الأكثرية، ولو اجتمعت على الباطل والضلال، والكفر البواح، فالحق - في نظر الديمقراطية الذي لا يجوز الاستدراك أو التعقيب عليه - هو ما تقرره الأكثرية وتجتمع عليه لا غير! وهذا مبدأ باطل لا يصح على إطلاقه؛ حيث أن الحق في نظر الإسلام هو ما يوافق الكتاب والسنة قلَّ أنصاره أو كثروا، وما يخالف الكتاب والسنة فهو الباطل ولو اجتمعت عليه أهل الأرض قاطبة.
قال تعالى: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} [يوسف: 106] ، وقال تعالى: {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون} [الأنعام: 116] .